بقلم: سيماء المزوغي
لماذا تبدو البيوت في الأعمال الدرامية التونسية مثالية إلى حد يثير الدهشة؟ صالونات جد فخمة تتوهج بالألوان المريحة، وإضاءة ذهبية تنساب على الطاولات المرتبة ، حتى بيوت الفقراء تبدو كل زاوية فيها مرسومة بعناية فائقة، وكأنها تحمل ختم مصمم محترف.. كأنّ الكاميرا تمنح المكان أو بالأحرى تمنح عينك وأنت تشاهد، حياة لم تعرفها في الواقع.. هنا كل شيء مرتب وكل ركن محسوب ومحاط بحدود تختبر رغبتك، تضعك وجها لوجه أمام نفسك، أمام نقصك..
ربما يخلق هذا الترتيب المبالغ فيه شعورًا بالاغتراب، شعورًا بأن كل شيء محكوم بالقواعد، وأن الحياة الحقيقية لا تستطيع أن تتسرب إلى داخل هذه الجدران، وكأن كل شيء وُضع ليواري أي خلل أو نقص.. إذ يقف المشاهد أمام هذه الصور الساحرة كما لو أنه دخل حلمًا لا يستطيع لمسه، حيث ينسحب إلى مكان يبدو خارج الزمن، حيث كل شيء في موقعه، وأبدا لا أثر للعشوائية أو الخطأ. لكن خلف كل هذا، تولد الشكوك، وأينما ولدت الشكوك استوجب التأمل والحفر.. فكل ترتيب مبالغ فيه تتراءى مسافة بين الإنسان وماهية الحياة الحقيقية.
تمشي الشخصيات في هذه البيوت كما يمشي الشبح في بيت مهجور، وتتفاعل مع الأشياء دون حرارة وتتحدث بين الجدران ببرودة، وهنا تتسلل للمشاهد من بين المثالية والترتيب غربة متزايدة، وكأن كل هذه الجماليات تصنع جدارا عازلا بينه وبين ذاته، بينه وبين العالم الذي يعرفه، فتصبح المثالية عبئًا ثقيلا على المتفرج الذي يُقارن رغما عنه بين واقعه وبين هذا الخيال، ويشعر بالاغتراب عن ذاته وعن حياة تحاول أن تكون بسيطة، لكنها تبدو فوضوية أمام العين المدربة على المثالية، وهنا يتحول الانبهار إلى قلق، والدهشة إلى إحساس دائم بالنقص، والحياة الواقعية إلى عالم أقل بكثير من المطلوب، عالم لا يساوي حتى نصف هذه الصور المصقولة بعناية.
ربما يقرأ الديكور النفس كما يقرأ الكاتب الروح، ومع ذلك يضعها في زنزانة مكشوفة.. وكأنّ الزوايا الواسعة تروي الكبرياء المخادع، وكأنّ الألوان الباردة تحاكي العزلة والاغتراب الداخلي.. وهنا تحديدا من المثالية والإتقان تنفجر خزانات الألم النفسي والاجتماعي..
ربما يتساءل المشاهد عن رائحة الفوضى التي يعرفها حيث يشعر أنه ضائع بين ما يرى وما يعيش، بين الكمال المصقول وماهية العالم الخشنة.. عندها يخترق ثقب ما الأعمال الدرامية من زاوية لم يحسب لها حساب.. أين يختلط الإعجاب بالخوف، والرغبة بالحنين إلى ما ليس موجودًا.. أين تصبح البيوت مرايا بلا انعكاس.
