بقلم: سيماء المزوغي
بين رفوف مكتبة تايبيه الصغيرة، حيث تحتضن الرفوف دواوين الحداثة بأغطيتها البراقة، يستند كتاب الأغاني الصامت على متنه غبار خفيف، كمن ينتظر دون ضجيج. كتاب الأغاني ( (Shījīng 诗经، وهو أقدم مجموعة شعرية عرفها التاريخ، حيث سبق وجودها ميلاد المسيح بألف عام وأكثر.. أشرت إلى الكتاب بإصبعي فتبسم صاحب المكتبة العجوز: “هذا الكتاب قلما يغادر، وقلما يرحل مع أحد. لكنه أيضا لا أحد يستطيع التخلّص منه”.
ابتسمت دون أن أُظهر ما سكنني: ففي تلك الجملة البسيطة تراءى لي مغزى كلها. حكاية لا تحتاج إلى أن تُقال لتُعرف. إنها سردية الصين وتيوان، التي تأخذ مساحتها في صميم الأشياء، مثل نبض القلب حين يعمل بلا صوت، مثل أنفاسنا التي لا نسألها إن كانت ما تزال هنا. هي هنا.. كانت وستبقى بين صمت الرفوف.. في غبار الكتب.. في اليقين الذي لا يُذكر.
في معابد تايوان، نرى تماثيل Māzǔ妈祖 إلهة البحر التي تطل على البحر، التماثيل نفسها التي نراها في معابد فوجيان. كل عام، في مواسم معينة، تبحر قوارب صغيرة تحمل هذه التماثيل من شيامن إلى تايوان، ومن تايوان إلى شيامن، وكأنها تؤدي طقساً أقدم من أي اتفاق سياسي بين البشر. هناك حكمة صينية قديمة تقول: الجبل يثبت في مكانه، والريح تأتي إليه طوعاً. وفي هذا المشهد تحديداً، تتجلى حكمة فيلسوف الطاوية دجوان دزى Zhuāngzǐ庄子 الذي صاغ الفكرة في قوله: “الحدود التي يقيمها البشر تزول، أما الحدود التي تقيمها الطبيعة فتبقى”. فهل يمكن لأي سلطة أن تلغي طقساً عمره ألف عام؟ أم أن هذه الطقوس هي التي ترسم في النهاية مسار السلطات؟
لطالما عُرفت الحضارة الصينية بفن انتظار النضج، وهناك مفهوم في الطاوية يُدعى Wúwéi (无为)، أي الفعل من خلال التوافق مع طبيعة الأشياء. و هذا هو بالضبط ما تمارسه الصين اليوم في تعاملها مع تايوان: صبر الواثق الذي يعلم أن النتيجة محسومة بفعل الجاذبية الطبيعية. ولننظر إلى الأرقام هنا: أكثر من مئتي مليار دولار من الاستثمارات التايوانية تراكمت في البر الرئيسي، وهذا الرقم في حد ذاته يحمل دلالات تتجاوز السياسة إلى ما هو أعمق..
أما الفائض التجاري التايواني مع الصين الذي بلغ سبعمائة مليار دولار في العام الماضي، فهو أشبه بذلك الحبل الذي يربط الجنين بأمه، خفياً لكنه مغذٍ. قال Sūnzǐ孙子 صاحب كتاب فن الحرب: إنّ “أعظم انتصار يتحقق قبل أن تبدأ المعركة”. هنا، الاقتصاد يؤدي دوراً أعمق من أي مواجهة، فهو يحول الخصوم المحتملين إلى شركاء ويحول التنافس إلى اعتماد متبادل. وفي مقاطعة فوجيان، تحديداً في منطقة بينغتان، ظهر مشروع ربما يكون من أذكى المبادرات الصينية في هذا الملف: هناك تتحول المنتجات التايوانية إلى صينية بمجرد أن تطأ أرض المنطقة، وهذا التصميم يتجاوز التسهيلات الجمركية إلى إعادة تعريف الحدود ذاتها، فالحدود هنا لم تعد فاصلاً بين دولتين بل أصبحت إجراءً إدارياً داخل فضاء اقتصادي موحد.
عندما نتأمل الموقف الأمريكي من تايوان، نجد أنفسنا أمام مشهد يذكرنا بقصة من عهد الممالك المتحاربة Zhànguó战国، قوة بعيدة تحاول أن تستخدم ورقة صغيرة في لعبة كبيرة. لكن السؤال الذي تطرحه هذه القصة: كم تدوم ورقة أمام نهر متدفق؟ ربما عندما يبلغ الشيء مداه يبدأ بالانعكاس، ولعبة الضغط على تايوان من منظور واشنطن بلغت مداها، ومن الطبيعي أن تبدأ رحلة العودة إلى الجوهر.
لعل أجمل ما في الثقافة الصينية هو مفهوم الأسرة، فهذا المفهوم يتسع ليشمل الأبوين والأبناء ويمتد إلى الأجداد والأحفاد ثم إلى القرية والمقاطعة وفي النهاية إلى الأمة كلها. كل عائلة صينية في تايوان تحتفظ بشجرة نسب تمتد إلى قرية في فوجيان أو قوانغدونغ، وفي الثقافة الصينية زيارة قبر الجد تمثل طقساً وجودياً: إنها الطريقة التي يؤكد بها الإنسان أنه حلقة في سلسلة متصلة.
هناك مصطلح في الفكر الصيني المعاصر يُدعى الجاذبية الثقافية، والفكرة بسيطة: كلما ازدادت كتلة الثقافة الصينية الاقتصادية والسياسية، ازدادت جاذبيتها للأطراف التي تشترك معها في الجذور. وهذا يشبه إلى حد كبير مفهوم الجاذبية في الفيزياء: الأجسام الصغيرة عندما تدخل مجال جاذبية جسم كبير تجد نفسها منجذبة نحو المركز. قال Lǎozǐ老子في كتابه طريق الفضيلة :”الطريق يفعل كل شيء من خلال ترك الأشياء تأخذ مجراها”. وفي هذا السياق، يصبح الحديث عن العودة أقرب إلى وصف عملية مستمرة منها إلى حدث استثنائي، فالعودة تحدث كل يوم: كل تايواني يستثمر في البر الرئيسي يعود، كل طالب تايواني يدرس في جامعة بكين أو تسينغهوا يعود، كل أسرة تايوانية تزور قبر جدها في فوجيان تعود، وما يسميه البعض العودة النهائية هو مجرد الاعتراف الرسمي بواقع قائم.
في العام 2026، نحن على أعتاب اكتمال دائرة بدأت منذ أن رسم أجداد التنانين الأوائل حدود هذه الحضارة باللغة والخط والدين والأسرة. تلك الحدود، كما قال Zhuāngzǐ庄子، هي حدود الطبيعة، وهي أبقى من حدود البشر. تايوان كانت وستبقى، والعودة تمثل اعترافاً بما هو كائن: الغصن متصل بالشجرة، والنهر يصب في البحر، والابن جزء من الأسرة. وكما قال Lǎozǐ老子في خاتمة كتابه: “من يجد اكتماله في ذاته فهو غني بحق، وتايوان عندما تجد طريقها إلى الجذر الحضاري تجد اكتمالها”.
