بقلم: سيماء المزوغي
يُدركُ محمد علي بن جمعة أنّ الممثل الحقيقي يقفُ أمام امتحانٍ دقيق حين تتزاحمُ الأعمال، ويعرفُ كيف يحفظُ توازنَه دون أن يتسرّبَ الوهنُ إلى حضوره.. يرفعُ الجودةَ إلى مرتبة القناعة، ويمنحها الأولوية على حساب الكثرة.. حتى وإن لم تكن الأعمال محبوكة كما يشتهي الناقد، فإنّ بن جمعة من الممثلين الذين ينقذون أيّ عمل، خاصة بعد حضوره في ثلاثة أعمال درامية خلال رمضان 2026.. وهنا تحديدا يتراءى لنا مبحثٌ يتجاوز فكرة الظهور، ويتجه نحو تجربة أعمق، هي ولادة تتجدّد مع كلّ دور، كأنّ الشخصية مساحة يُعاد فيها اكتشاف الذات مرّة بعد مرّة..
يواصلُ محمد علي بن جمعة تشكيلَ مساره الفني بروحٍ يقظة، ويختارُ أدوارَه كما يُختارُ المصير، ويمنحُ كلّ تجربةٍ جزءًا من قلقه الجميل. هذا الشغف بالتجديد، وهذا الإصرار على اقتفاء المختلف، يمنحانه موقعًا متفرّدًا داخل الدراما التونسية، فملامحه تحمل أثرَ هشاشةٍ إنسانية، كما يتسرّبُ إلى أدائه رجفةٌ خفيفة، تمنحُ الشخصية صدقًا يتجاوز أحيانًا حدود النصّ نفسه.. كما أنه مجنون إلى أبعد الحدود، له قدرة استثنائية على التحوّل دون أن يترك أثرًا للتمثيل نفسه، يتلبّس الشخصيات حتى تصبح أعضاؤها جزءًا من جسده وروحه، وتختفي الحدود بين من هو ومَن يمثل. تشاهده، فتشعر أن الشخصية تنبض بذاته، وأن الكلمات ليست أداءً بل حياة حقيقية، وأنه هو فعلاً، لا مجرد مرآة للخيال.
يدخلُ محمدُ علي بن جمعة المشهدَ كمن يعبرُ غرفةً يعرفُها جيدًا. يحملُ في ملامحه أثرَ أزقة “باب سويقة” وهو يسير في ثانياها، و”ميتوال فيل” وهو يخيطها بدراجته الهوائية أو مع “عنبر” كلبه الأسود .. وفي رأسه ورجفةَ الأسئلة التي تستيقظُ في منتصف الليل.. يمنحُ الشخصيةَ جسدًا، ثم يتركُ داخلها شقًّا مفتوحًا… يمرّ منه الواقعُ ببطء.. ليتحرّكُ في التمثيل كما يتحرّكُ الإنسانُ داخل حياته، بشيء من الحذر، وبكثير من الحدس.. وحين يصل، يكون قد صار جزءًا من جلده.
إطلالة رمضان 2026

شهد موسم رمضان 2026 حضورًا استثنائيًا لمحمد علي بن جمعة، حيث ظهر في ثلاثة أعمال درامية متميزة: “أكسيدون” لمطيع الدريدي، و”غيبوبة” لمحمد خليل البحري، و”المطبعة” لمهدي هميلي، بالإضافة إلى ظهوره كضيف شرف في عمل رابع.
يُمثلُ ثلاثةُ أعمال في وقت واحد، وثلاثُ شخصيات مختلفة، ويفتح كلُّ دور بابًا جديدًا في داخله.. وهذا في حدّ ذاته معجز.. وهنا يوضح بن جمعة “نحن في تونس لا نتمتع بهذا الترف على مستوى الاختيارات “. إذ تحمل هذه الجملة في طياتها واقعًا مرًا فالفنان يظل، مهما بلغت موهبته، محدودَ الاختيارات، مقيدًا بالإنتاج المحلي الضيق، وغير القادر على تحقيق حلمه الكامل في التنوع والثراء. وهنا قرر بن جمعة، بدلًا من أن يشتكي، أن يحول هذا المحدود إلى قوة وتحدّي ولم تكن الخيارات قليلة، فليكن الحضور فيها مكثفًا، وإن لم يمكن الإنتاج محدودًا، فلتكن الجودة عالية.
يمشي محمدُ علي بن جمعة داخل أدواره كما يمشي داخل نفسه. يحمل أسئلتَه معه، ويتركها تتكاثر فوق الخشبة، أمام الكاميرا، وفي ذاكرة من يشاهده. يمنح المشهدَ صدقًا خافتًا، ويغادر تاركًا أثرًا يشبه تلك اللحظات التي نعرف فيها شيئًا عن أنفسنا، ثم نعجز عن تسميته. يستقر هناك، في تلك المساحة التي تفلت من التعريف، حضورُه.
التمثيل كحالة وجود

يشتغلُ على الدور كما يشتغلُ كاتبٌ على جرحه. وينحتُ التفاصيل الصغيرة من نظرة، إلى تيك إلى صمت إلى حركة يد… ثم يتركُها تنمو وحدها داخل المشهد.. تبدو شخصياتُه كأنها خرجت للتوّ من الحياة، كأنها مرّت عبر تجربةٍ عميقة تُعاد صياغتُها أمامنا.. ويحضرُ في تلك المسافة الدقيقة بين الأداء والاعتراف، حيث يصبح التمثيلُ نوعًا من البوح المقنّع.
يشعرُ المتفرجُ، عندما يشاهد بن جمعة، بأنه أمام إنسان يعيش لحظة حقيقية من حياته، لا أمام ممثل يؤدي دورًا. تُمثلُ هذه السمةُ الأكثرَ تميزًا في أدائه، ذلك الإمتلاك التام للصنعة، تلك العفوية التي لا تُدرّب ، ذلك الصدق الذي لا يُصنع. و يأتي هو من هؤلاء الممثلين النادرين الذين يبدون وكأنهم لا يمثلون أبدًا ، وكأن الكاميرا التقطتهم بالصدفة في لحظة حميمية خاصة، ثم قررت أن تبقى معهم.
قدّم مثلا، في مسلسل “الفتنة” شخصيةَ “إدريس السلامي” التي وُصفت بأنها “ترند الشرّ الأول في الأعمال التونسية”، حيث استطاع بن جمعة أن يقدّم شخصيةً شريرة معقدة، متعددة التناقضات، جمعت بين الهدوء والثورة، الحلم والكره، الجرأة والانهزامية. جعلَ هذه الهشاشةُ التي غرسها في عيون الشخصية، ذلك الألمُ الصامتُ الشرَّ مقنعًا. فهمَ بن جمعة أن الشر الحقيقي يكمن في تلك الهدوء المريب، و في ذلك الصوت الهادئ الذي يحمل في طياته كل العواصف..
مسيرة فنية حافلة

انطلق محمدُ علي بن جمعة من خشبة المسرح، حيث كانت انطلاقتُه الحقيقية في المسرح، مع كبار المخرجين المسرحيين على غرار الفاضل الجزيري رحمه الله والفاضل الجعايبي وجليلة بكار وتوفيق الجبالي…
شكّل المسرحُ بالنسبة له مدرسةَ الهشاشة الأولى. أين يُرى الجسدُ مكشوفًا، ويكون الصوتُ عاريًا. تعلّم هناك أن الصدق هو السلاح الوحيد الذي لا يخذل.. و اكتشف هناك، في تلك المساحة المقدسة حيث يوجد لا مخرج ولا إعادة للقطات.. وأن التمثيل ليس تقليدًا للحياة بل هو الحياة نفسها …
يلتزم بن جمعة، إلى جانب مسيرته الفنية، بنقل حبه للمسرح إلى الأجيال الصاعدة من خلال فضائه الثقافي “المخزن” في حي باب سويقة حيث يحتضن المواهب الشابة ويصقل مواهبهم. ويُوصف بأنه “ناقل لوباء المسرح لأجيال قادمة”، وهو “الخازن المختزِن لفنٍّ لا لقاح ضده ولا دواء” على حد تعبير المسرحي أنور الشعافي.
يُمثل “المخزن” مساحةً ليس فحسب، بل هو امتداد لفلسفته. يكون الفنُّ عنده استعراضًا ليس، بل هو نقل للهشاشة ذاتها، تعليم للآخرين كيف يكونون مكشوفين، كيف يتركون أنفسهم ترتجف أمام الآخرين، وكيف يجعلون من هذه الرجفة جسرًا نحو الصدق. يعمل بن جمعة في هذا الفضاء كمعلم روحي أكثر منه كمدرب تقني. ينقل إلى جيل الشباب ليس فقط أسرار المهنة، ولكن فلسفة الحياة التي بنى عليها فنه.
الأعمال العالمية: التونسي في العالم

تمتدُّ موهبةُ بن جمعة إلى ما هو أبعد من الحدود التونسية، إذ شارك في أعمال عالمية مهمة منها فيلم “الشمس المقتولة” (2002) للمخرج عبد الكريم بهلول، وفيلم “إمبراطورية أغسطس” مع الأسطورة بيتر أوتول، وفيلم “سان بياترو” بجانب عمر الشريف…
أكّدت هذه التجارب العالمية ما كان يعرفه منذ البداية: أن الصدق لغة عالمية، وأن الحضور مفهوم لا يحتاج إلى ترجمة. حمل معه إلى هذه الأعمال روحَه التونسية، تلك الروح التي تشبه أزقة تونس العتيقة، الضيقة والمتعرجة، والمحمّلة بتاريخ ثري..
قدّم أيضًا أعمالًا عربية مشتركة، حيث شارك في المسلسل السوري “فسحة سماوية” (2006) والمسلسل المصري “هدوء نسبي” (2009). وبقي هنا أيضًا صوتُه مختلفًا، وحضورُه فريدًا، ذلك المزيج بين شرق المتوسط وعمقه الأفريقي..
بين الجسد والصوت: تعدّد يفضح القلق

يعبرُ بن جمعة المسرحَ، ويمرُّ بالسينما، كما يقتربُ من الموسيقى.. ليمنحُه كلُّ وسيطٍ شكلًا جديدًا للقول، وتكشفُ كلُّ تجربةٍ طبقةً أخرى من قلقٍ جميل.. إذ يكتبُ صوتَه في الراب كما يكتبُ جسدَه على الخشبة، ويجمعُ بين الإيقاعين، إيقاع الكلمة، وإيقاع الصمت…
يُعدُّ محمدُ علي بن جمعة مغنيَّ راب عرف بلقب “دالي جاي” (Dali JAY).. من أبرز أعماله: “غلطوني” (2011) التي تشيرُ الأغنيةُ إلى جملة الرئيس زين العابدين بن علي الشهيرة “أنا ففهمتكم” التي قالها في خطابه يوم 13 جانفي 2011. كان بن جمعة هنا مؤرخًا صوتيًا للثورة التونسية، يحفظ لحظة تاريخية في كلمات وإيقاق، مجرد مغنٍ لا… و”تكلم” (2012) مع أسماء بن أحمد، وهي مقتبسة عن قصيدة “الكلمات” لمنور صمادح.. وهنا يعود بن جمعة هنا إلى جذوره الشعرية، يظهر كمثقف يحمل هموم لغته ووطنه.
ولا ننسى د “دقيقة صمت” (2013) التي تُخلّدُ الأغنيةُ ذكرى شكري بالعيد، أغنية تأبينية تظهر وجهًا آخر من بن جمعة: الحزين، المتألم، الذي يحول الفقدان إلى فن..
يبقى محمدُ علي بن جمعة، في زمن تتسارع فيه الإيقاعات وتتلاشى فيه المعاني، شاهدًا على زمن مضى وزمن قادم. شاهدًا على تونس التي كانت وتونس التي ستكون… ويظل بين المسرح والسينما والتلفزيون والراب، بين الأداء والكتابة والغناء، بين الممثل والمخرج والمربي، ذلك الساحر العاشق للتجديد، ذلك الوجه الذي يكتب هشاشته على الضوء، ليترك لنا، في كل مرة، صورة جديدة من صورنا نحن.
