بقلم: سيماء المزوغي
في بكين وشنغهاي، يتشكل مشهد استهلاكي جديد يحمل ملامح تحول عميق. شباب يقفون في طوابير أمام متاجر “Li-Ning” للحصول على أحذية مزينة بنقوش تنين تقليدية، وآخرون يقتنون تماثيل صغيرة لشخصية “Ne Zha” ويضعونها بعناية على رفوف غرفهم. هذا المشهد يتجاوز حدود الموضة العابرة، ويكشف عن بنية ثقافية جديدة تتشكل في قلب المجتمع الصيني، حيث يتحول الشراء إلى فعل يحمل دلالة رمزية وانتماءً واضحًا.
ضمن هذا السياق، تبرز ظاهرة “Guochao” بوصفها تعبيرًا مركبًا عن تلاقي الثقافة والاقتصاد. المصطلح، الذي يجمع بين معنى الوطن والموجة، يشير إلى تيار يعيد صياغة التراث الصيني داخل منتجات معاصرة. الخط، الأساطير، الفلسفة، الأوبرا، والطب التقليدي، كلها عناصر تعود للحياة عبر الأزياء، الألعاب، مستحضرات التجميل، والأفلام. هنا يتغير موقع التراث، حيث يغادر فضاء العرض المتحفي ليستقر في تفاصيل الحياة اليومية، متحولًا إلى لغة بصرية واستهلاكية.
هذا التحول يرتبط ارتباطًا وثيقًا بجيل Z الصيني، الذي يمثل كتلة بشرية تقارب 260 مليون نسمة. نشأ هذا الجيل في سياق اقتصادي صاعد، وشهد تحولات بلاده نحو موقع عالمي متقدم. داخل هذا الإطار، تتشكل علاقة متينة مع الهوية الثقافية، حيث يغدو التراث مصدر إلهام وحضور يومي. الشاب الصيني يسعى إلى التعبير عن ذاته من خلال منتجات تعكس هذا التوازن بين المعاصرة والجذور، فيجد في “Guochao” صيغة تجمع بين الاثنين.
تتغذى هذه الظاهرة من عوامل متعددة، تتقاطع فيها السياسة بالثقافة والاقتصاد. مفهوم “الثقة الثقافية” الذي برز ضمن الخطاب الرسمي منذ عام 2017 يمنح التراث موقعًا مركزيًا داخل المشروع الوطني، ويفتح المجال أمام دعمه وإعادة إنتاجه بصيغ حديثة. في الوقت ذاته، تتداخل التوترات الاقتصادية والتجارية مع السلوك الاستهلاكي، فيتحول شراء المنتج المحلي إلى تعبير عن الانتماء. وتواكب الشركات هذه التحولات عبر استراتيجيات تسويق ذكية، تقدم منتجات تمزج بين الرمزية الثقافية والتصميم المعاصر، فتجعلها مرغوبة وذات قيمة تتجاوز الاستخدام المباشر.
تعكس الأرقام حجم هذا التحول بوضوح. سوق “Guochao” يسجل نموًا متسارعًا، مع تقديرات تشير إلى بلوغه ثلاثة تريليونات يوان خلال السنوات القادمة. الألعاب القابلة للتحصيل، المستوحاة من شخصيات تراثية، تتحول إلى عناصر فنية يقتنيها الشباب ويعرضونها بوصفها جزءًا من هويتهم البصرية. كما تكشف تجربة فيلم “Nobody” عن نموذج اقتصادي جديد، حيث يتحول العمل السينمائي إلى منصة لإنتاج مئات المنتجات، محققًا عائدات استهلاكية ضخمة تتجاوز إيرادات العرض السينمائي نفسه.
في قلب هذه الديناميكية، تلعب السينما دورًا حاسمًا في تشكيل الوجدان الجماعي. أفلام مثل “Ne Zha 2” تعيد تقديم الأسطورة الصينية ضمن رؤية بصرية معاصرة، فتخلق لحظة ثقافية مشتركة يتقاسمها الملايين. هذه اللحظة تمتد خارج قاعات العرض، لتتحول إلى منتجات وسلوكيات استهلاكية تعكس ارتباطًا عاطفيًا بالرمز. بالتوازي، تعمل منصات رقمية مثل “تيك توك” على تسريع انتشار هذه المنتجات، حيث تتحول الخوارزميات إلى أدوات لإنتاج الرغبة وتوجيهها، فتجعل من المنتج ظاهرة واسعة الانتشار خلال وقت وجيز. وفي الخلفية، يظهر دور الدولة كفاعل منظم، يرعى الإطار العام، ويدعم الصناعات الثقافية، ويوجه الخطاب بما ينسجم مع رؤيته.
رغم هذا الزخم، تطرح الظاهرة مجموعة من الأسئلة النقدية. يتحول التراث في بعض الأحيان إلى عنصر استهلاكي سريع التداول، يخضع لمنطق السوق وإيقاعه المتغير. كما تبرز إشكالية تحويل الرموز الثقافية إلى منتجات، حيث تتداخل الهوية مع آليات الربح، فتظهر صيغة من الرأسمالية ذات الطابع الوطني. ومع ذلك، تعكس هذه المفارقات حيوية الظاهرة، وتكشف عن مرحلة انتقالية يعاد فيها تعريف العلاقة بين الثقافة والاستهلاك.
هذا التحول يحمل دلالات مهمة للعالم العربي. التراث العربي، بما يحمله من عمق وتنوع، يمتلك إمكانات واسعة للتحول إلى صناعة ثقافية معاصرة. التجربة الصينية تقدم نموذجًا يبيّن كيف يمكن إعادة تقديم هذا التراث بلغة بصرية حديثة، قادرة على جذب الأجيال الجديدة. كما تبرز أهمية الدور الذي يلعبه الشباب في بناء الثقة الثقافية، حيث تتشكل هذه الثقة عبر الإنتاج والإبداع، أكثر مما تتشكل عبر الخطاب النظري. وفي الأفق، تلوح فرص للتعاون الثقافي، تجمع بين السرديات العربية والتقنيات الصينية، وتفتح المجال أمام إنتاج مشترك يخاطب جمهورًا واسعًا.
ربما تعكس “Guochao” تحولًا عميقًا في موقع الصين داخل العالم، حيث تنتقل من دور المصنع إلى موقع المنتج للمعنى والذوق. جيل Z يقود هذا التحول بثقة، مستندًا إلى أدوات رقمية ورؤية ثقافية متماسكة، فيما تتكامل الدولة والسوق في صياغة هذا المسار. ما يبدو في شكل منتجات أو أفلام يخفي في جوهره إعادة تشكيل للعلاقة بين الإنسان وتراثه، حيث يتحول الماضي إلى مادة حية، تُعاد كتابتها داخل الحاضر، وتُفتح على مستقبل مختلف.
