تحرير وإعداد: سيماء المزوغي
يطرح السؤال حول معرض الكتاب أفقًا يتجاوز الوصف نحو البحث عن إمكانات جديدة لعلاقة القارئ بالفكر، في زمن تتسارع فيه الإيقاعات وتتقدّم فيه الصورة على حساب الكلمة. في هذا السياق، تقدّم الدكتورة آمنة الرميلي قراءة تنفذ مباشرة إلى جوهر الإشكال، حيث ترى أن السؤال «يذهب رأسا إلى عمق المشكل لأنّه لا يصف الوضع وإنّما يحاول أن يستشرف له حلولا».
تضع الرميلي معرض الكتاب داخل بنية مزدوجة، إذ تعتبره «فضاء لنوعين من التبادل، أوّلهما التبادل التجاري وهو أمر مشروع بل ضروريّ لتوزيع الكتاب والنهوض بصناعته، وثانيهما التبادل الثقافي الفكري حين يتعلّق الأمر بالثنائية التي تحرّك معارض الكتب في كلّ فضاء ونقصد ثنائية الكتابة والقراءة، الإبداع والتلقّي، الفنّ والجمهور». هذا التصوّر يفتح المعرض على حركية تتجاوز فعل البيع نحو دينامية تفاعل حي بين النصوص وقرّائها.
وفي امتداد هذا التحليل، تشير إلى وعي الفاعلين في القطاع بهذا التوازن، إذ «يدرك صنّاع الكتاب في تونس من ناشرين وموزّعين أنّ كلا التبادلين ضروريّان لإنجاح معرض الكتاب، ويدركون أيضا أنّ بيع الكتاب هو الهاجس الأساسي عندهم وهو محدّد النّجاح أو الفشل بموجب قانون العرض والطلب في سوق المعرض». ضمن هذا الأفق، يتبلور جوهر السؤال: «هل يمكن خلق فضاء فكري حيّ داخل فضاء سوق الكتب؟ أو بصفة أدقّ: ما العمل حتى لا يكون معرض الكتاب “مغازة” أو “مولًا” أو “سوقا” سنويّة يكتفي قاصدوه وزائروه بمغادرته محمّلين بأكياس الكتب غير القيّمة في مجملها؟»
تتعامل الرميلي مع هذا الأفق بوصفه مجال تفكير مفتوح، حيث «الجواب عن هذا السؤال ليس حاسما لأنّه يدخل في باب الاستشراف أو الحلم»، قبل أن ترسم صورة دقيقة للسياق: «واقع القراءة في تونس مخيف اليوم ووضعية الكتاب ومن يكتبون مقلقة بل مخجلة مقارنة ببلدان أخرى». ومع ذلك، يستمر المعرض في حمل دلالته الثقافية، إذ «يبقى معرض الكتاب مشروعا ثقافيا فكريا بالدرجة الأولى، على الأقلّ في ذهن المؤسسات الثقافية التي تشرف عليه وتديره منذ عقود».
في هذا الإطار، يكتسب المعرض بعده الحي، حيث «هو مجال تفاوض فكري وفنّي بين أعلام الكتابة ومهندسي الفكر ورؤى المثقّفين وتوقّعات الجمهور الثقافي، يتجلّى ذلك في اللقاءات والندوات والنقاشات وعناوين الكتب والمدارس الفكرية والنقدية المعروضة على امتداد أيّام». هنا تتشكّل لحظة اللقاء بين القارئ والفكر، ضمن فضاء تتقاطع فيه الرؤى وتتجاور فيه التجارب.
ويكتمل هذا التصوّر بإبراز دور الفاعل العمومي والإعلامي، إذ تشير الرميلي إلى أنّه «إذا ما كان معرض الكتاب هو من تظاهرات الثقافة الكبرى في البلد فالمفروض أن يُحاط بعناية الدولة وسلطة الإشراف الثقافي وخاصة أن يكون معرض الكتاب طيلة أيّامه هو الحدث الأكبر في وسائل الإعلام الوطنية والخاصة، المرئية والمسموعة والمكتوبة»، مبرزة أن «دور الإعلام مركزيّ في إنجاح المعرض ونشر برنامجه وإيصال مادّته الأولى، الكتاب، إلى الناس».
بهذا المعنى، تتشكّل صورة معرض الكتاب كفضاء تتجاور فيه الحركة الاقتصادية مع الدينامية الفكرية، حيث تتسع التجربة لتشمل الكتاب بوصفه موضوع تداول، وبوصفه أيضًا تجربة تعاش داخل فضاء مفتوح على الأسئلة والقراءات.
والدكتورة آمنة الرميلي كاتبة وباحثة وأكاديمية تونسية تجمع بين التدريس الجامعي والكتابة الروائية، وتُعرف باهتمامها بالأسئلة الاجتماعية والثقافية داخل أعمالها السردية. من أبرز رواياتها “توجان” التي توّجت بجائزة الكومار الذهبي للرواية العربية، ورواية “شط الأرواح” التي نالت الجائزة الوطنية زبيدة بشير لأفضل الكتابات النسائية في صنف الرواية، إضافة إلى رواية “مدينة الأنصاف السفلى” التي قدّمتها ضمن فعاليات معرض تونس الدولي للكتاب. تتقاطع في تجربتها الكتابة الإبداعية مع الاشتغال البحثي، حيث تنفتح نصوصها على قضايا الذاكرة والمجتمع والهوية، وتتعامل مع السرد بوصفه مساحة تفكير في التحولات الإنسانية والاجتماعية داخل الواقع التونسي والعربي.
