أحمد حفصي
في خطوة تستوقف عشّاق الطرب الأصيل والفن العربي، أعلنت عائلة الموسيقار الراحل محمد عبد الوهاب عن انطلاق التحضيرات الأولية لمشروع فني ضخم يتناول سيرته، في عمل يُراد له أن يعيد قراءة تجربة أحد أبرز رموز الموسيقى العربية في القرن العشرين، المعروف بلقب “موسيقار الأجيال”. وتستمر المراحل الأولى من المشروع داخل فضاء توثيقي دقيق يقوم على الجمع والتدقيق في المواد الأرشيفية، في أفق بناء عمل يقترب من حجم التجربة التي مثّلها عبد الوهاب في الذاكرة الفنية العربية.
ذاكرة موسيقية تمتد عبر قرن من التحولات
تتشكّل أهمية هذا المشروع من ثقل الشخصية موضوعه، إذ ارتبط اسم محمد عبد الوهاب بمسار موسيقي طويل عاصر تحولات كبرى في مصر والعالم العربي، من الحقبة الملكية إلى ما بعد ثورة 1952، وصولًا إلى العقود الأخيرة من القرن العشرين. خلال هذا الامتداد الزمني، تبلورت تجربته بوصفها مساحة للتجديد داخل الموسيقى العربية، عبر إدخال عناصر موسيقية جديدة، وتوسيع بنية الأغنية، وإعادة صياغة العلاقة بين الكلمة واللحن.
وتبرز ضمن هذا المسار محطات مفصلية، من بينها علاقته المبكرة بأمير الشعراء أحمد شوقي الذي شكّل سندًا فنيًا في بداياته، إلى جانب لحظات التعاون التاريخية مع كوكب الشرق أم كلثوم، في ما يُعرف بـ“لقاء السحاب”، وهي لحظة تُعد من أكثر اللحظات تأثيرًا في تاريخ الغناء العربي الحديث.
مشروع توثيقي يستند إلى أرشيف حي
يتقدّم المشروع الجديد اعتمادًا على مواد أرشيفية خاصة، تشمل تسجيلات صوتية نادرة وأوراقًا شخصية ومراسلات، إضافة إلى شهادات موثقة جمعتها العائلة على مدى سنوات. كما يستند إلى مادة توثيقية أُنجزت سابقًا عبر كتابات ومذكرات مرتبطة بالموسيقار، ما يفتح المجال أمام بناء سردية تجمع بين الوثيقة والذاكرة والقراءة الفنية لمسيرته.
هذا الرصيد الأرشيفي يمنح المشروع بعدًا توثيقيًا يتجاوز السيرة التقليدية، نحو محاولة إعادة تركيب التجربة الفنية في سياقها التاريخي والاجتماعي، بما يسمح بقراءة التحولات التي رافقت تطور الموسيقى العربية الحديثة من الداخل.
تحديات السرد البصري لرحلة ممتدة
تطرح طبيعة حياة محمد عبد الوهاب، الممتدة على قرابة تسعة عقود، تحديًا بنيويًا أمام أي عمل درامي يسعى إلى تجسيدها. فالتجربة لا تقوم على لحظة واحدة أو مرحلة محددة، بل على سلسلة تحولات فنية وشخصية متراكبة، تجعل من بناء الشخصية على الشاشة عملية تستدعي إعادة تنظيم الزمن الفني وتكثيف المحطات الكبرى في حياته.
وتشير المعطيات المتداولة حول المشروع إلى اعتماد مصادر متعددة، من بينها تسجيلات يحكي فيها عبد الوهاب عن مساره بنفسه، إلى جانب شهادات عائلية ومراجع وثائقية، بما يتيح تشكيل صورة متعددة الطبقات لشخصية فنية عاشت التحول المستمر كجزء من هويتها الإبداعية.
البحث عن صيغة فنية تعيد تقديم الأيقونة
في ما يتعلق بالجانب التمثيلي، تتجه العائلة نحو اختيار ممثل يمتلك القدرة على التقاط ملامح الشخصية في أبعادها الجسدية والصوتية والحركية، بما يعكس طبيعة حضور عبد الوهاب الفني. ويُنظر إلى هذه المرحلة باعتبارها جزءًا أساسيًا من بناء المشروع، نظرًا لتعقيد الشخصية وثراء مسارها الفني.
يحمل هذا المشروع إمكانات تأثير واسعة داخل المشهد الثقافي العربي، بالنظر إلى مكانة محمد عبد الوهاب بوصفه أحد أعمدة الموسيقى العربية الحديثة. كما يندرج ضمن موجة متنامية من الأعمال التي تعيد استحضار رموز الفن العربي، في سياق يسعى إلى إعادة ربط الأجيال الجديدة بذاكرة موسيقية تشكّلت عبر عقود من التحولات.
وفي هذا الإطار، يظل الشكل النهائي للعمل قيد النقاش، بين سينما ملحمية أو مسلسل درامي طويل، بما يعكس رغبة في إيجاد الصيغة القادرة على احتواء سيرة تمتد بين الفن والتاريخ والذاكرة.
