سيماء المزوغي
منذ عقود، شكّلت تونس فضاءً مفضّلًا لتصوير عدد من الأفلام العالمية، وأسهمت مواقعها في إنتاج صور بصرية استقرت في ذاكرة الجمهور. وعندما شاهد الملايين صحراء تطاوين في Star Wars أو المشاهد الصحراوية في The English Patient، كانوا أمام مواقع حقيقية صُوّرت في تونس، رغم ظهورها داخل السرد كأماكن أخرى. ومع تراكم هذا الحضور، يكتسب هذا الإرث قيمة تتجاوز البعد السياحي، ليتحول إلى رصيد قابل للتوظيف ضمن تحولات تعيد تشكيل مراكز القوة في الصناعة السينمائية العالمية.
وفي امتداد لهذا المسار، تبرز قيمة هذا الرصيد في قدرته على التحول من مجرد حضور بصري إلى أداة تموقع داخل شبكات الإنتاج الدولية، خاصة مع صعود قوى سينمائية جديدة تبحث عن مواقع بديلة خارج الدوائر التقليدية. وتتيح الخصوصية التونسية، القائمة على تنوع جغرافي مكثف وسهولة تنقل، إمكانية تقديم عروض إنتاجية متكاملة تستجيب لمتطلبات السينما المعاصرة. ومع تنامي الطلب على الفضاءات الطبيعية القابلة لإعادة التشكيل السردي، تتعزز فرص إدماج تونس في مشاريع كبرى، بما يفتح أفقًا لتحويل هذا الإرث إلى عنصر فاعل في الاقتصاد الإبداعي، ويمنح البلاد موقعًا أكثر حضورًا داخل خريطة الصناعة السينمائية المتحولة.
في هذا السياق، تتجه بوصلة الإنتاج السينمائي نحو الشرق، حيث تبرز الصين كقوة صاعدة تجمع بين سوق ضخمة تتجاوز سبعين ألف شاشة عرض وقدرة إنتاجية متنامية تبحث عن فضاءات تصوير جديدة. وتكشف أفلام مثل The Great WallوShadow عن ميل متزايد نحو الأعمال الملحمية والتاريخية التي تحتاج إلى صحارى واسعة، وقلاع، وأسواق نابضة بالحياة. وهنا يتشكل تقاطع واضح بين الطلب الصيني والإمكانات التونسية، وهو تقاطع يكتسب قيمة عملية عندما يتحول إلى شراكات فعلية.
تونس: لوحة متعددة الأبعاد
ضمن هذا التحول، تظهر تونس بخصوصية لافتة تقوم على تنوع جغرافي مكثف داخل مساحة محدودة. إذ ينتقل فريق التصوير خلال ساعات قليلة من صحراء دوز إلى واحات توزر، ثم إلى المدن العتيقة أو سيدي بوسعيد.. إلى الجبال والغابات .. ويمنح هذا التنوع المنتج قدرة على بناء عوالم سردية متعددة داخل فضاء واحد، مع تقليص في تكاليف التنقل واللوجستيات. كما تتجلى قيمة أعمق في قابلية المواقع التونسية للتحول السردي، حيث تؤدي أدوارًا جغرافية مختلفة داخل الفيلم ذاته، فتظهر الصحراء كفضاء آسيوي في مشهد، وككوكب متخيل في مشهد آخر.
الغياب الصيني: فجوة في الشبكات
في المقابل، يطرح غياب الإنتاجات الصينية عن تونس مفارقة لافتة ترتبط ببنية الصناعة أكثر من ارتباطها بجاذبية المواقع. إذ تتحرك السينما العالمية عبر شبكات معقدة تشمل الاتفاقيات الثنائية، والحوافز الضريبية، والوسطاء، ومكاتب التمثيل داخل الأسواق المستهدفة. وفي هذا الإطار، تتوفر لتونس مقومات طبيعية قوية، بينما يتعزز الاحتياج إلى حضور أكثر فاعلية داخل هذه الشبكات، خاصة في الفضاء الآسيوي. وعلى الجانب الآخر، تمكنت دول مثل المغرب والأردن من ترسيخ مواقعها عبر إدارة فعالة للعرض تقوم على حوافز واضحة، وإجراءات سريعة، وترويج مباشر داخل مهرجانات كبرى في بكين وشنغهاي.
نحو تموقع جديد: ما الذي تحتاجه تونس؟
انطلاقًا من ذلك، يتخذ الرهان طابعًا هيكليًا يتجاوز استقطاب أعمال متفرقة نحو بناء موقع دائم داخل سلسلة الإنتاج العالمية، وهو ما يستدعي تدخلاً على ثلاثة مستويات مترابطة: تشريعيًا، وذلك عبر صياغة إطار قانوني تنافسي يتيح حوافز للمنتجين الأجانب مثل استرجاع جزء من النفقات المحلية وتسهيلات جمركية على المعدات.
أما إداريًا، من خلال إرساء آلية “النافذة الواحدة” لتبسيط إجراءات التصوير بما يضمن سرعة المعالجة، ويوفر وفساطة لغوية وثقافية قادرة على مواكبة الشركاء الصينيين.
وتسويقيًا، عبر الانتقال من الترويج التقليدي إلى بناء علاقات مباشرة مع شركات الإنتاج الصينية، وتنظيم زيارات ميدانية لصناع القرار، إلى جانب تكوين كفاءات محلية متمكنة من اللغة والثقافة الصينيتين.
في هذا الأفق، تتجاوز السينما بعدها الفني لتتحول إلى رافعة اقتصادية وثقافية. فاستقطاب الإنتاجات الكبرى ينعش قطاعات متعددة، من التقنيين إلى الخدمات اللوجستية والسياحية، كما يفتح نافذة واسعة للتعريف بتونس لدى جمهور آسيوي واسع. وبالتوازي، يعيد هذا الحضور تموقع البلاد داخل خريطة الصناعة الثقافية العالمية التي تشهد تحولات متسارعة.
بناءً على ذلك، يتجه التصور نحو ترسيخ تونس كشريك إنتاجي فاعل داخل منظومة دولية متحولة، مع تركيز على تقديم بيئة متكاملة تجمع بين مرونة القانون، ونجاعة الإدارة، وكفاءة الموارد البشرية. وعند هذا المستوى، تتحول المواقع من مجرد خلفيات بصرية إلى موارد استراتيجية، وتنتقل تونس من موقع الاستضافة إلى موقع المشاركة في صناعة الصورة العالمية.
