في شهر أفريل 2026، تحتضن مدينة العلوم بتونس فعاليات “Village Innovation”، وهو حدث سنوي أصبح مرآة تعكس نبض النظام البيئي للشركات الناشئة في البلاد. لكن اللافت هذا العام ليس فقط عدد المشاركين، بل طبيعة المشاريع التي ستتصدر الواجهة: منصات تشخيص تعتمد على الذكاء الاصطناعي، أجهزة طبية متصلة، وحلول للطب عن بُعد تصل إلى أقصى المناطق الداخلية.
بعد سنوات من التحول الرقمي المتسارع، لم تعد الصحة في تونس مجرد “خدمة تقليدية” تقدمها المؤسسات العمومية، بل تحولت إلى ساحة للابتكار التكنولوجي، حيث يتنافس رواد الأعمال على تقديم حلول ذكية لأقدم تحديات القطاع. السؤال الذي يطرح نفسه اليوم: هل تمتلك تونس المقومات لتكون “Hub” إقليمياً للتكنولوجيا الصحية في إفريقيا والبحر الأبيض المتوسط؟
المحرك الأول: الذكاء الاصطناعي في خدمة التشخيص المبكر
في المستشفيات التونسية، لا يزال الضغط على الأقسام الاستعجالية وأشعة التشخيص يشكل تحدياً يومياً. لكن الشركات الناشئة التونسية بدأت تقدم إجابات ذكية لهذه المشكلة.
تعمل عدة مشاريع محلية على تطوير نماذج ذكاء اصطناعي قادرة على تحليل صور الأشعة (مثل الماموغرام والأشعة المقطعية) بدقة تنافس الأطباء المختصين. هذه الأدوات لا تهدف إلى استبدال الطبيب، بل إلى تخفيف الضغط عليه وتقليل أوقات الانتظار، خاصة في المناطق التي تعاني من نقص في الأطباء المتخصصين.
بفضل تحليل البيانات الضخمة (Big Data)، تستطيع هذه الأنظمة التعلم من آلاف الحالات السابقة، مما يحسن دقتها باستمرار ويجعلها أداة مساعدة لا غنى عنها. التجارب الأولى في بعض المستشفيات العمومية أظهرت نتائج واعدة، مع تقليل ملحوظ في أخطاء التشخيص البشري وزيادة في عدد الحالات التي يتم اكتشافها في مراحل مبكرة.
الطب عن بُعد (Telemedicine): كسر الحواجز الجغرافية
إذا كان هناك قطاع استفاد بشكل واضح من التحول الرقمي في تونس، فهو الطب عن بُعد. المنصات الرقمية التي ظهرت في السنوات الأخيرة لم تعد مجرد تطبيقات للاستشارات الطبية، بل أصبحت جسراً يربط بين الخبرات الطبية في العاصمة والمرضى في المناطق الداخلية والريفية.
اليوم، يمكن لمريض في ولاية قبلي أو تطاوين أن يحصل على استشارة من أخصائي في تونس العاصمة دون الحاجة إلى قطع مئات الكيلومترات. هذه المنصات وفرت الوقت والجهد، وساهمت في تقليل الضغط على المستشفيات الجهوية.
هذا التطور لم يكن ليحدث لولا تطور الإطار القانوني. فقانون “Startup Act” التونسي، إلى جانب القوانين المنظمة للصحة الرقمية التي شهدت تحديثات مهمة في 2026، وفرت بيئة أكثر وضوحاً للاستثمار في هذا المجال، مما شجع المستثمرين المحليين والدوليين على دعم هذه المشاريع.
أنترنت الأشياء الطبية (IoMT): الصحة في معصم اليد
أحد أبرز التحولات التي تشهدها تونس في 2026 هو صعود الأجهزة القابلة للارتداء (Wearables) المصممة محلياً. لم تعد هذه الأجهزة حكراً على العلامات التجارية العالمية؛ شركات ناشئة تونسية بدأت تطور ساعات ذكية وأساور طبية متخصصة في مراقبة الأمراض المزمنة مثل السكري وارتفاع ضغط الدم وأمراض القلب.
ما يميز هذه الأجهزة أنها لا تقتصر على القياس، بل ترسل البيانات مباشرة إلى الطبيب المعالج عبر تطبيقات ذكية، مما يسمح بمتابعة لحظية للحالة الصحية دون الحاجة إلى زيارات متكررة للمستشفى.
هذا النموذج يغير مفهوم الرعاية الصحية من “علاج الأمراض” إلى “الوقاية المستمرة” . فبدلاً من انتظار ظهور الأعراض، يمكن للطبيب التدخل مبكراً بناءً على البيانات التي تصل إليه في الوقت الفعلي.
التحديات والفرص: الطريق إلى “سان فرانسيسكو“
رغم كل هذا الزخم، لا تزال الشركات الناشئة في مجال HealthTech تواجه تحديات حقيقية، أبرزها التمويل. الوصول إلى استثمارات كافية (Fund) للتوسع محلياً والدخول إلى الأسواق العالمية يتطلب جذب مستثمرين جريئين يؤمنون بقدرة هذه المشاريع على المنافسة خارج الحدود.
لكن الفرصة كبيرة أيضاً. في مسابقات عالمية مثل كأس العالم للشركات الناشئة (Startup World Cup)، بدأت تظهر شركات تونسية في مجال HealthTech كمرشحة قوية، ما يؤكد أن هذا القطاع يمكن أن يكون “الحصان الأسود” لتونس في المحافل الدولية.
أما على مستوى الشراكات، فالتعاون مع الاتحاد الأوروبي وإيطاليا عبر برامج مثل “Lab Innova for Tunisia” يفتح آفاقاً جديدة. هذه البرامج، التي تستهدف الشركات الناشئة في مجالات متعددة منها Medtech، تقدم دعماً في التكوين والهيكلة وفتح أسواق جديدة، خاصة في أوروبا . آخر دورة من هذا البرنامج انطلقت في فيفري 2026 وتستقبل الطلبات حتى 10 مارس، مما يعكس ديناميكية التعاون الدولي في هذا المجال .
الـ HealthTech في تونس ليست مجرد “تريند” عابر، بل هي ضرورة وطنية واقتصادية. في بلد يعاني من تحديات هيكلية في قطاع الصحة، ويتمتع في نفس الوقت بكوادر بشرية مؤهلة ونظام بيئي للشركات الناشئة في تطور مستمر، فإن الاستثمار في التكنولوجيا الصحية هو واحد من أكثر الخيارات ذكاءً للمستقبل.
من الذكاء الاصطناعي في التشخيص، إلى الطب عن بُعد، إلى الأجهزة الطبية المتصلة، تونس تمتلك اليوم مقومات حقيقية لتكون فاعلاً إقليمياً في هذا المجال. التحديات قائمة، لكن الفرص أكبر.
