في كتابه الجديد “رسالة إلى باسكال بروكنر”، يفتح محمد زين العابدين، الوزير الأسبق للشؤون الثقافية والأستاذ الجامعي والباحث العميق، نافذة فكرية متجددة على مسألة الثقافة والتاريخ والهوية الإنسانية. يستجيب الكتاب لأطروحة باسكال بروكنر في “بكاء الرجل الأبيض: العالم الثالث، الشعور بالذنب وكراهية الذات”، ليعيد بناء الحوارات حول مكانة الثقافة، وفهم مفاهيم “اللاحضارة” وتفوق الرجل الأبيض، من منظور متعمق يرتكز على المقاربات التاريخية والفكرية المقارنة.
يقدم الكتاب نقدًا صريحًا لما يسمى بـ”تفوّق الرجل الأبيض” و”المقاربات الثقافوية”، ويكشف عن متاهات تاريخية مثقلة بالأحكام المسبقة، مرت عليها أجيال طويلة من الصمت والتجاهل، رغم أن المقاربة الدقيقة للثقافات والحضارات تتطلب مقاربات مقارنة تمتد عبر الأزمنة والأمكنة. يضع محمد زين العابدين أمام القارئ مشروعًا فكريًا ورمزيًا يجمع الثقافات والحضارات المتناثرة، لخلق تأويلية جديدة، وإعادة استكشاف العالم برؤية مبتكرة، تمنح الثقافة أبعادها التأسيسية كجسر يربط بين الإنسانية بجميع تجلياتها، ولغاتها، ومواريثها، وإبداعاتها، مع احترام الخصوصيات وملكات الخيال المتأصلة في الإنسان والمجتمعات.
يبرز الكتاب التونسية الحضارية التاريخية كفكر متراكم وروح متشعبة، قبل أن تتحول إلى مرجع تاريخي أو جغرافي، ويشير إلى أن تأثيرها امتد إلى الغرب المتوسطي منذ آلاف السنين، وعكست تفوقًا وفطنة وتقدمًا مستمرًا. ويرى المؤلف أن قراءة الثقافة بهذا العمق تمنح الإنسان فرصة لإدراك التراكم الفكري، بعيدًا عن القراءات المبتورة أو المشوهة، مع الانفتاح على المقاربات التأويلية المقارنة، وتجاوز أي تراتبية أو إقصاء.
ويشير الكتاب إلى أن بروكنر لم يدرك هذا البعد في ثقافة تونس، وهو ما يدفع محمد زين العابدين لتقديم رؤيته باعتبارها دعوة لفهم أعمق، بعيدًا عن أي نزعة للحنين أو الإشادة العاطفية، لتصبح الثقافة تجربة حية متصلة بزمن الإنسان وأفكاره وطاقاته الإبداعية.
يأتي الكتاب ضمن بحوث محمد زين العابدين في مركز الدراسات الفلسفية بجامعة السربون، وصدر عن دار سوتيميديا للنشر والتوزيع، وقد سلطت مقدمة الفيلسوفة جينيفييف كلانسي الضوء على قوة أطروحته، مشيرة إلى أن المعرفة الواسعة للفكر وتعدداته تتكامل مع نظرة واعية للبعد الغربي، ليولد صدى متبادل بين الحضارتين، ويفتح باب الانفتاح كما قصده ريلكه، في تجربة تتجاوز الحجاج الفكري لتصبح قصيدة فلسفية تنبض بالوعي والجمال.
تؤكد كلانسي أن محمد زين العابدين يجسد فكرة غاستون باشلار: “كلمة الشاعر تعبر عتبة الوجود”، مستحضرًا الجوهري عبر حركة الاقتراب والابتعاد بين وجوه الإبداع، متجاوزًا التحامل والجهل، ومقدّمًا رؤية للإبداع كحامل لحلم بعالم متناغم، يمتد فيه الإنسان نحو الممكن غير المحدد، لكنه متناغم مع أفكار المطلق المتجذرة فيه.
ويعتمد الكتاب على أعمال سابقة للمؤلف، منها:
“تناظرات بين إدوارد سعيد ومحمد زين العابدين” (2025)،
“الحوار الثلاثي بين فرانسيس فوكوياما ومحمد زين العابدين وصموئيل هنتنغتون: اللامفكر فيه حاضرًا”،
“الحوار الثلاثي: أندريه مالرو ومحمد زين العابدين وإدوارد سعيد: اللامفكر فيه، الممكن والمستبعد”.
وتسعى هذه الأعمال إلى صياغة قواعد ثقافية جديدة بين الشرق والغرب، مستكشفة ما لم يُطرح بعد من أفكار، ومقدمة تأويلية تجمع بين ثقافات وأفكار متنوعة، لتحقيق فهم أعمق للتاريخ والمستقبل الثقافي.
يواصل محمد زين العابدين نشاطه الأكاديمي والثقافي في أكثر من أربعين دولة، بين أوروبا وآسيا وأمريكا وإفريقيا والدول العربية، في مسيرة ممتدة أكثر من ثلاثين عامًا، بدأت بمجموعته العلمية “حوار ثلاثي بين فرانسيس فوكوياما ومحمد زين العابدين وصموئيل هنتنغتون: اللامفكر فيه حاضرًا”، واستمرت في المشاريع الحديثة التي تجمع جامعيين وفنانين ومسؤولين ثقافيين في منتدى دولي يهدف إلى تعزيز دور الثقافة بتنوعها، وقدرتها على توحيد المعرفة والفنون والعلوم، وإعادة إحياء المعارف والمهارات في زمن تتعرض فيه الثقافة لمخاطر الابتذال والتهميش.
ويحظى محمد زين العابدين بتقدير نخبة الأكاديميين، منهم:
جيرار بيليه، جامعة باريس 1 – بانتيون السربون، الذي وصف تجربته بـ”البريق الحي” الناتج عن تفاعله المستمر مع ثقافات متعددة،
إليان شيرون، جامعة السربون، التي أشادت بتصالحه بين البشر وتعزيز الحوار بدل تعميق الاختلافات،
فرانسواز برونيل، نائبة رئيس جامعة بانتيون السربون، التي أثنت على اعتماده “العلامات” كإمكانات متعددة للتفسير،
فرانسوا دي برنار، الذي وصفه بـ”يانوس ذو وجهين جديد”، يمنح المعنى واللامعنى للفراغ والصمت والوحدة، وينظر إلى المستقبل بعينين مفتوحتين، مع احترام الماضي.
ونال محمد زين العابدين العديد من الجوائز، منها:
وسام رئيس الجمهورية الإيطالية (2001)،
الشخصية الثقافية لدول البحر الأبيض المتوسط (2001 و2008)،
جائزة الثقافة المتوسطية من مؤسسة نابولي (2018)،
الوسام الوطني الأكبر للاستحقاق الثقافي (2019)،
وهو مستمر في مسار الكتابة والنشر، ويقدم أعماله قريبًا في الصالون الدولي للنشر والكتاب بالرباط، ثم في جامعة السربون بباريس، لتكون مساهمة جديدة في تعزيز الحوار بين الشرق والغرب، وإعادة الثقافة إلى مكانتها كحامل للحلم والمعرفة والتفاهم الإنساني العميق.

