في مشهد مسرحي عربي يتقاطع فيه الترفيه مع الخطاب المباشر، تتقدّم مسرحية “الإنسان الرابع” لتوفيق الجبالي كمساحة تجريبية تعيد التفكير في معنى العرض نفسه، حيث تتحول الكتابة إلى تفكيك، ويتحوّل الركح إلى مجال لاختبار الإنسان داخل زمن تتسارع فيه الصورة وتتشابك فيه الوسائط، فيتراجع المسرح بوصفه حكاية لصالح المسرح بوصفه سؤالًا مفتوحًا يُبنى أمام المتفرج.
تتراكم داخل هذا العمل تجربة طويلة مع المسرح التجريبي، حيث يتحرك الجبالي بين النص والأداء بوصفهما مادة واحدة قابلة لإعادة التشكيل، فيتسع العرض ليصبح فضاء مقاومة للثبات، ويكتسب المتفرج موقعًا يتجاوز التلقي نحو المشاركة في إنتاج المعنى، داخل علاقة تتبدل مع كل لحظة من لحظات العرض.
تتأسس البنية المسرحية على تفكيك الشكل التقليدي، حيث تنكشف آليات التمثيل داخل العرض نفسه، ويتحول الأداء إلى تفكير معلن في شروطه، فيتراجع الجدار الفاصل بين ما يُقدَّم وما يُفكَّر فيه، ويظهر التمثيل بوصفه بناءً قابلًا للرؤية والمساءلة، فيتحول المسرح إلى حركة وعي داخلية لا تنفصل عن فعل المشاهدة.
ينفتح الركح على تعدد الأصوات بدل وحدة الحكاية، فتتجاور الشخصيات بوصفها حالات أكثر من كونها كيانات مستقرة، ويظهر “الإنسان الرابع” كعلامة دلالية تتحرك بين احتمالات متعددة للوجود، حيث يتداخل الجسد الحي مع صورته الممكنة، ومع امتداده الرقمي، ومع الدور الاجتماعي الذي يعاد إنتاجه يوميًا، فيتسع مفهوم الإنسان ليغدو مجالًا مفتوحًا للتجريب.
يحضر الجسد داخل هذا السياق كفضاء توتر دائم، حيث يشتبك مع الصورة والتكنولوجيا واللغة، ويتعرض لإمكان تحويله إلى أثر بصري قابل للتكرار، في مقابل حضوره الحي الذي يحدث مرة واحدة داخل لحظة العرض، فتتشكل علاقة جدلية بين ما يبقى في الذاكرة وما يتحول إلى صورة، بين التجربة المباشرة وإمكانية إعادة إنتاجها.
يتحول الذكاء الاصطناعي والوسائط الرقمية داخل خلفية العرض إلى سؤال ضمني حول إعادة تشكيل السلوك الإنساني داخل أنظمة غير مرئية، حيث تتداخل الاختيارات الفردية مع خوارزميات توجّه الإيقاع العام للحياة، فيتغير معنى الحرية داخل عالم تتكاثر فيه الوسائط وتتشابك فيه التأثيرات.
تشتغل الكوميديا السوداء داخل العرض كآلية تفكيك، حيث تتجاور السخرية مع القلق، وتتحول الضحكة إلى أداة لقراءة هشاشة العلاقات الإنسانية داخل واقع سريع التحول، فيأخذ التهكم موقعًا معرفيًا يكشف التناقضات بدل أن يغطيها، ويعيد ترتيب المألوف داخل سياق يفتح أسئلة العبث والمعنى في آن واحد.
تتسع علاقة العرض بالجمهور لتتحول من مشاهدة إلى مشاركة ضمنية في بناء المعنى، حيث يدخل المتفرج داخل عملية التفكير المسرحي، ويصبح جزءًا من حركة التفكيك التي يصنعها العرض، فيتغير موقعه من الخارج إلى الداخل، ومن التلقي إلى التفاعل مع بنية تتشكل أمامه باستمرار.
تتجاور داخل “الإنسان الرابع” مستويات متعددة من الوجود المسرحي، حيث يلتقي الواقعي بالافتراضي، واليومي بالفلسفي، والسردي بالتفكيكي، فيتكون فضاء مفتوح على الاحتمال، يعيد طرح سؤال الإنسان داخل عالم يعيد تشكيل ذاته باستمرار، ويضع المسرح أمام ضرورة مساءلة أدواته بقدر مساءلة موضوعه.
تنتهي التجربة إلى فتح أفق يتجاوز المعنى المغلق، حيث يتحرك الإنسان بين صور متعددة دون استقرار، ويتحرك المسرح بين أشكال متعددة دون تثبيت، فيظل السؤال أكثر حضورًا من الجواب، ويظل التعدد أكثر قوة من الوحدة، داخل تجربة تجعل من الخشبة مساحة لاختبار الوجود بدل تقديمه.
أحمد حفصي
