بقلم: ليلى بن الهادي
في شهر أفريل من كل سنة، تدخل تونس زمنًا خاصًا، حيث يتحول هذا الشهر إلى موعد سنوي مع الذاكرة، وتُفتح خلاله المواقع الأثرية، وتنتشر التظاهرات في مختلف الجهات، فيتحرك التراث من عمقه اليومي نحو الفضاء العام، وتخرج التفاصيل الصغيرة من عتمة العادة إلى ضوء العرض، فتتحول المدن والقرى إلى فضاءات تحتفي بما تراكم فيها من حكايات، وتتصدر المشهد صور الأزياء التقليدية، وروائح الأكلات القديمة، وإيقاع الحرف التي تصنع الزمن ببطء، فيتحرك التراث ككائن حيّ يحمل ذاكرة الناس ويعيد سردها، ويعبر في الآن نفسه مسارًا آخر يضعه في واجهة العرض.
ويأتي هذا الحضور المكثف في بلد يُصنَّف ضمن أغنى البلدان المتوسطية تراثيًا، حيث انضمت تونس إلى منظمة اليونسكو سنة 1956، وصادقت على اتفاقية التراث العالمي سنة 1975، لتضم اليوم 9 مواقع مدرجة ضمن قائمة التراث العالمي، من بينها قرطاج، القيروان، الجم، دقة، والمدينة العتيقة بتونس، إلى جانب 10 عناصر من التراث الثقافي اللامادي تشمل عادات وتقاليد وفنونًا حية، مع وجود أكثر من 16 موقعًا على القائمة التمهيدية في انتظار التصنيف، فضلًا عن ما يقارب 30 ألف موقع أثري موزعة على كامل البلاد، في مشهد يجعل من تونس ما يشبه متحفًا مفتوحًا تتداخل فيه الحضارات البونيقية والرومانية والإسلامية والمتوسطية.
وفي هذا السياق، يتخذ التراث شكلًا مزدوجًا؛ يعيش في البيوت كإيقاع يومي غير معلن، ويظهر في الفضاء العام كصورة مصقولة مهيأة للنظر، فتنسج النساء الخبز كما اعتدن منذ عقود، وتستمر العائلات في طقوسها، وترتفع في الساحات منصات تقدّم العناصر نفسها في هيئة عرض منظم، فيتحول الفعل العفوي إلى مشهد، وتكتسب التفاصيل وظيفة جديدة تجعلها قابلة للتقديم أمام جمهور واسع.
ضمن هذه الحركة، ينتقل التراث من كونه ممارسة إلى كونه منتجًا، فيكتسب قيمة اقتصادية وثقافية في آن، خاصة مع ارتباطه بقطاع السياحة الذي يمثل أحد أهم روافد الاقتصاد التونسي، فتدخل عناصره في دورة جديدة تقوم على الصورة والترويج، وتفرض هذه الدورة إيقاعها الخاص، فتُختزل الحكايات الطويلة في لقطات سريعة، وتُعاد صياغة الرموز بطريقة تجعلها أكثر وضوحًا وجاذبية، وتنحاز الصورة إلى الجمال، وتعيد ترتيب الواقع وفق منطق العرض.
ومن هذا التحول، تتشكل مسافة بين التراث وأصحابه، إذ يعيش الناس تفاصيلهم في سياقهم الطبيعي، ويتلقى الزائر نسخة مكثفة ومختارة بعناية، فتحمل الرقصة معنى مختلفًا حين تنبثق من سياقها الاجتماعي، وتكتسب دلالة أخرى حين تُقدَّم على خشبة مهيأة للفرجة، ويتغير الإحساس بالزمن، ويتحوّل العمق إلى إيقاع سريع يتلاءم مع نظرة عابرة.
وتتسلل هذه المسافة بهدوء إلى الوعي الجماعي، فتتشكل علاقة جديدة مع التراث، يراه البعض كمرآة للهوية، ويستقبله آخرون كمنتج ثقافي قابل للاستهلاك، فتلتقي النظرتان في نقطة وسطى تتجاور فيها الرغبة في الحفظ مع الحاجة إلى العرض، وتخلق هذه المنطقة الهجينة توترًا خفيًا بين ما يُعاش وما يُعرض، بين الذاكرة كخبرة والذاكرة كصورة.
وفي هذا الإطار، تحمل تونس ثراءً متعدّد الطبقات، يتعزز بوجود 4 محميات طبيعية ضمن برنامج الإنسان والمحيط الحيوي، وبشبكة واسعة من المدن التاريخية والمواقع الأثرية التي تمتد من الشمال إلى الجنوب، فيمنح هذا التعدد للتراث عمقًا خاصًا، ويجعله قابلًا لقراءات مختلفة، كما يسمح بإنتاج مشاهد جذابة ويفتح المجال لتأمل أعمق في معنى الاستمرارية، حيث تتجاور الأطلال مع الحياة اليومية، وتلتقي الأزمنة في فضاء واحد يعيد تشكيل العلاقة مع الماضي.
وفي امتداد ذلك، يستمر التراث في إنتاج نفسه حين يبقى متجذرًا في الحياة اليومية، فتعيد الحِرف تشكيل حضورها داخل الاقتصاد المحلي، وتجد العادات مكانها في تفاصيل العيش، وتتحول المواقع الأثرية إلى فضاءات تلتقي فيها الذاكرة بالحاضر، فتنمو العلاقة مع التراث بشكل طبيعي، وتتحول من علاقة عرض إلى علاقة انتماء.
يطرح شهر التراث، الذي يحتل فيه أفريل موقع القلب، سؤالًا يتجاوز الاحتفال نفسه: أي صورة تُقدَّم عن تونس، وأي علاقة تُبنى مع هذا الإرث الضخم الذي يتجاوز عشرات الآلاف من المواقع والطبقات الحضارية؟ يتحرك الجواب بين الرغبة في الجمال والرغبة في المعنى، بين صورة تُلتقط سريعًا وتجربة تُعاش ببطء، حيث تتشكل الهوية في هذا التوازن الدقيق، ويكتسب التراث قيمته حين يستمر في التنفس داخل الناس، بوصفه حياة ممتدة، لا مجرد مشهد عابر.
