أحمد حفصي
تُوّجت رواية “أغالب مجرى النهر” لسنة 2026 بـالجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر)، في لحظة نقدية تعيد تثبيت حضور الرواية العربية داخل أسئلتها الكبرى المرتبطة بالذاكرة والتاريخ والهوية، وتفتح في الآن نفسه أفقًا جديدًا للتفكير في أشكال السرد المعاصر وقدرته على مساءلة الماضي بدل الاكتفاء بإعادة روايته.**
تنتمي الرواية إلى تجربة سردية تقوم على بناء متشظٍّ تتقاطع داخله حكايتان رئيسيتان، تتقدّم الأولى عبر شخصية طبيبة عيون تعمل داخل فضاء المشرحة، حيث يتحول الجسد إلى مادة معرفة يومية، ويتحوّل الموت إلى حضور بصري ولغوي يعيد تشكيل الحسّ بالعالم. في هذا المسار، تتكثف أسئلة الحياة والهشاشة والحدود الدقيقة بين العلمي والإنساني، وبين ما يُرى وما يُفهم.
أما المسار الثاني فيتشكّل حول شخصية الأب، المقاتل السابق في حرب التحرير الجزائرية، حيث تستعيد الرواية ذاكرة الحرب بوصفها طبقة زمنية لا تغادر الحاضر، وتعيد فتح ملف العلاقة بين الفرد والتاريخ، وبين البطولة والالتباس الأخلاقي، وبين ما تُنتجه الذاكرة من صور وما تُخفيه من فراغات. داخل هذا المسار، يتحول الماضي إلى كيان متحرك يضغط على الحاضر ويعيد صياغة معناه.
يتأسس العمل على تقنية التوازي السردي، حيث لا تسير الحكايتان في خطّين منفصلين بقدر ما تتقدمان نحو مناطق تقاطع تدريجية، تتداخل فيها التجربة الفردية مع السردية الجماعية، ويتحوّل السرد إلى فضاء يعيد ترتيب العلاقة بين الشخصي والتاريخي، وبين ما يُعاش وما يُروى. هذا التداخل يمنح الرواية طابعًا تأمليًا يجعل من الحدث وسيلة لطرح سؤال المعنى بدل الاكتفاء بتسجيله.
في هذا البناء، تتقدّم الذاكرة بوصفها مادة سردية قابلة للتفكيك وإعادة التركيب، لا بوصفها أرشيفًا ثابتًا، حيث تتحول إلى قوة تعمل داخل النص، تعيد إنتاج الصور وتعيد مساءلة سرديات التاريخ الرسمية والحميمية في آن واحد. كما يبرز حضور الجسد، في مستوياته المختلفة، بوصفه وسيطًا بين التجربة الفردية والعنف الرمزي والتاريخي الذي يترك أثره على التفاصيل اليومية.
ويأتي التتويج ضمن سياق نقدي عربي يشهد انفتاحًا متزايدًا على النصوص التي تعيد التفكير في علاقة الرواية بالتاريخ، حيث تتجه أعمال عديدة إلى تفكيك الخطابات الكبرى عبر بناءات سردية غير خطية، تسمح بتعدد الأصوات وتراكب الأزمنة وتداخل المستويات الدلالية. داخل هذا السياق، تبرز “أغالب مجرى النهر” بوصفها نصًا يشتغل على المنطقة الفاصلة بين الحقيقة والسرد، وبين ما يُقال وما يظل خارج القول.
لا يبدو التتويج مجرد احتفاء بعمل روائي، إنما لحظة نقدية تعكس تحوّلًا في الذائقة السردية، حيث تتقدّم الرواية بوصفها مساحة تفكير مفتوحة، قادرة على مساءلة الذاكرة بدل تثبيتها، وعلى إعادة تشكيل العلاقة بين الإنسان وماضيه داخل لغة تتأرجح بين التوثيق والتأويل، وبين الحكاية والسؤال.
