بقلم: سيماء المزوغي
فتح “أصحاب الأرض” المسلسل الدرامي المصري الذي يعرض في برمجة رمضان 2026، نافذة على غزة غمرت المشاهد بتفاصيل ومشاهد وطبقات لم تعتدها أعين الجمهور من الإعلام المنحاز لرؤية ترى الفلسطينيين مجرد أرقام، وتمحو إنسانيتهم من المشهد العام. تبدو الحكاية إنسانية على السطح، لكنها في العمق معركة على المعنى وسردٌ يحاكي الواقع بعد 7 أكتوبر، ويطرح أسئلة تتسلل إلى أعماق الضمير، من يملك حق رواية الألم؟ من يحدد ملامح الضحية في وعي الجماعة؟ كل لحظة على الشاشة تهتز بالألم والوجود معًا، تتسلل إلى القلب مثل نفس خنقته الحياة، وتدق على أبواب الروح، وتترك وراءها مزيجًا من الرهبة والتعاطف، وشعورًا يرفض الزوال ويصرّ على البقاء..
تدخل طبيبة مصرية إلى القطاع ضمن قافلة إغاثة، فتجد نفسها في فضاء يختلف عن نشرات الأخبار. ويتحول المستشفى من ديكور درامي إلى مساحة تتقاطع فيها السياسة بالجسد، أين يصبح الجرح وجهًا وتاريخًا عائليًا. في هذه اللحظة، تتحول الدراما إلى إعادة تعريف للواقع، إذ ينتقل الألم من مادة إخبارية سريعة الاستهلاك إلى تجربة سردية تُعيد تشكيل حسّ العدالة لدى المتلقي، وتدفعه دفعا إلى تبنّي موقع الشاهد.
هنا تحديدا تتيح زاوية علم الاجتماع الثقافي قراءة أعمق لهذا العمل، خاصة إذا استحضرنا ما ناقشته سوزان سوناغ Susan Sontag، وهي كاتبة وناقدة أمريكية حلّلت تمثيل الألم والحرب في الثقافة البصرية، حين بحثت أثر صور الحروب على وعينا الأخلاقي. فالصورة تثير صدمة أولى تهزّ الإحساس وتخترقه، لكنها ومع ذلك، تظل لحظة خاطفة ما لم يحتضنها سرد يمنحها سياقًا ومعنى، إذ أنّ عرض الألم في نشرات الأخبار يخلق مسافة باردة بين المتلقي والحدث، بينما يتيح إدماجه داخل حكاية درامية تورطًا وجدانيًا يعيد ترتيب العلاقة بين المشاهد والضحية، و في هذا التحوّل من الصدمة البصرية إلى البناء السردي، يساهم مسلسل أصحاب الأرض في إعادة إنتاج الحدث داخل الذاكرة الجمعية للمشاهد العربي، حيث يتحول الألم من مشهد عابر إلى عنصر فاعل في تشكيل الوعي الأخلاقي الجماعي.
من ناحية أخرى يتجلّى حجم التفاعل مع المسلسل كظاهرة ثقافية ذات بعد وجداني عميق، إذ استقبل الجمهور العمل بوصفه وثيقة تعكس وجع الواقع وقهره وتستنهض التعاطف.. وهنا يفسّر علم الذاكرة الجمعية هذا الانغماس، فقد بيّن موريس هالبوش Maurice Halbwachs، وهو عالم اجتماع فرنسي صاغ مفهوم “الذاكرة الجمعية”، أن ذاكرة الجماعات تتشكل من خلال سرد مشترك يعيد تنظيم الأحداث ويمنحها معنى داخل وعي المجموعة. وفي هذا الإطار، تتحوّل الدراما إلى أداة تلتقي فيها المشاعر مع الوعي، إذ تجمع المشاهدة الجماعية الجماهير حول تجربة مشتركة، وتنتج طبقة من الشعور والفهم المتبادل.. حيث يصبح الحدث التاريخي تجربة حية، تحفر أثرها في الضمير الجمعي، وتمنح المشاهدين إحساسًا بالمشاركة في حكاية أعمق تتردد أصداؤها في دواخلهم طويلا وعميقا بعد نهاية الحلقة.
فتح المسلسل الجرح من جديد وأطال في عمر الألم، وتحوّلت المآسي والفضاعات اليومية في غزة إلى سرد نابض متدفق، لتصبح كل لحظة ألم أو خوف أو انتظار رصاصة تدخل مباشرة في الضمير، أين يتحرك السرد كسلطة رمزية، وأين يتم إعادة توزيع المعنى وترتيب الطريقة التي يفهم بها الجمهور ما حدث حوله.
فتح هذا العمل نافذة على تمثيل الآخر والأرض، كما بيّن إدوارد سعيد المفكر الفلسطيني الذي درس الاستشراق ونقده، فيكشف كيف ينتقل الفلسطيني من هامش الصورة إلى محورها، وكيف تتحوّل الأرض إلى شخصية حية تحكي تاريخها ومعاناتها وأحلامها. فيمتد السرد ليغمر المشاهد في تجربة وجدانية مكتملة، حيث يلتقي الحدث بالإنسانية، ويصبح المشاهد جزءًا لا يتجزأ من الحكاية، تتردد أصداؤها في قلبه وتزرع فيه شعورًا عميقًا بالعدالة، بالوجود، وبالارتباط المشترك بين البشر والأرض.
يعمل المسلسل داخل هذه الطبقات العميقة كعالم ينبض خلف الشاشة، حيث يفتح مشهد طفل تحت القصف بابًا واسعًا على أسئلة أخلاقية، على شعور متأجج بالعدالة والظلم، وعلى ألم يختلط بالدهشة.. تظهر الطبيبة في مواجهة نقص المعدات، وتتحول مسألة العدالة الصحية في زمن النزاع إلى تجربة معيشية تحفر أثرها في القلب قبل العقل. وتبرز التفاصيل اليومية الصغيرة، ضحكة طفل، صوت مكبر، ارتعاشة خوف، كلها تتحول إلى سردية حق.. في هذا المشهد المعقد، يتحول “أصحاب الأرض” إلى فضاء تلتقي فيه الذاكرة بالهوية، والسرد بالقوة، حيث تصبح الأرض نفسها أكثر من جغرافيا، تصبح رمزًا للصراع على الوجود والحكاية معًا، على الحق في البقاء وعلى الحق في السرد…ويترك في وعي المشاهد شعورًا عميقًا بأن كل لحظة على الشاشة هي انعكاس للحقيقة، للحياة، للوجع الذي يربط بين الأرض والإنسان.
