بقلم: سيماء المزوغي
تنسابُ الثقافةُ الصينيةُ نحو المتلقي التونسي كما تنساب خيوطُ الحرير عبر الأزمنة، حاملةً معها ذاكرةً عميقةً وتجربةً جماليةً مركّبة، إذ تتحوّلُ المسافةُ الجغرافيةُ إلى مسافةٍ قابلةٍ للفهم، حين تعبر الحكايةُ حدودَ اللغة وتستقر في وجدانٍ لم يتعلّم الصينية، لكنه يتعرّف إليها عبر الصورة والإيقاع والمعنى.
في العقد الأخير، لم تعد الثقافة الصينية بعيدة عنا كما كانت. صارت الدراما والروايات الصينية جزءاً من مشهدنا الثقافي اليومي في تونس، تتصدر نقاشاتنا، وتتنقل حلقاتها بين أجهزتنا بشغف لا يخفى. هذا الحضور المتجدد يطرح علينا سؤالاً أعتقد أن الكثيرين منا توقفوا عنده: كيف استطاعت هذه الأعمال أن تعبر إلينا رغم كل حواجز اللغة والثقافة؟ كيف وجدت طريقها إلى قلوبنا؟
من النص الورقي إلى الشاشة: طفرة صناعة المحتوى
لم تأت هذه الظاهرة من فراغ. كانت البداية الحقيقية مع روايات الويب الصينية، حيث يمتلك القارئ هناك صوتاً حقيقياً في تشكيل النص. المؤلفون الصينيون يكتبون فصلاً بعد فصل، وينتظرون تعليقات قرائهم بفارغ الصبر، وكأن النص يولد من التفاعل الحي بين الكاتب والمتلقي. هذه الآلية صنعت أدباً قريباً من نبض الجمهور، محكماً في تشويقه، معداً أصلاً ليكون قابلاً للتحول إلى شاشة.
وعندما انتقلت هذه الأعمال إلى التلفاز والمنصات الرقمية، تحولت إلى ظواهر جماهيرية لم نعهدها من قبل. أتذكر الأرقام التي صدمتني حين قرأتها: مسلسل “الطبيب الملكي” وحده تجاوزت مشاهداته في الصين ثلاثين ملياراً. ثلاثين ملياراً! و”النظام السماوي” في نسخته الأنميشن حصد أكثر من مليار مشاهدة في أسابيع قليلة. هذه الأرقام لا تعكس فقط شعبية العمل، بل تعكس تحولاً في طريقة صناعة المحتوى نفسه.
لكن الأهم من الأرقام، في اعتقادي، هو الجودة التي أصبحت ترافق هذه الإنتاجات. لم تعد مجرد قصص منقولة، بل تحولت إلى لوحات بصرية متكاملة: تصوير سينمائي يأخذك إلى عصور تانغ وسونغ، أزياء تعيد إحياء تفاصيل دقيقة من التاريخ الصيني، وموسيقى تمتزج فيها الآلات التقليدية مثل البيبا والقوتشينغ مع الإيقاعات الحديثة.
حين تخاطب الأساطير الصينية قلوبنا
أتذكر مسلسل “الحب بين إلهة وخيال” الذي عرض على منصة آي تشي ونتفليكس. كنت أتابع تعليقات المشاهدين التونسيين عليه، وكثيرون منهم تحدثوا عن الأزياء التي بدت وكأنها لوحات نابضة بالحياة مستوحاة من رسوم العصر الذهبي للرسم الصيني. وتحدثوا أيضاً عن الموسيقى التي مزجت بين القديم والحديث بطريقة لم نألفها. العمل استطاع أن يحول الأساطير الصينية القديمة إلى لغة بصرية مفهومة لمتفرج في تونس لم يزر الصين يوماً.
وفي الأدب، ثلاثية ليو تسي شين “مشكلة الأجسام الثلاثة” كانت تجربة مختلفة تماماً. الرواية التي حازت جائزة هوغو للخيال العلمي مزجت بين الفيزياء النظرية والفلسفة السياسية والتاريخ الصيني. قراء تونسيون وجدوا فيها أسلوباً في السرد يختلف عما اعتادوه في الخيال العلمي الغربي. هنا، المفاهيم الكونفوشية حاضرة في طريقة اتخاذ الشخصيات للقرارات، والخوف الوجودي الجماعي ليس مجرد حدث درامي، بل هو عنصر أصيل في البناء.
لماذا نحن؟ لماذا تنجذب الجماهير التونسية تحديداً إلى هذه الأعمال؟ أعتقد أن الإجابة تكمن في ثلاثة ملامح رئيسية:
أولاً: الجاذبية البصرية والتاريخية
مسلسل “رويال نيرام” يقدم نموذجاً حياً. العمل الذي تدور أحداثه في بلاط أسرة ليانغ الخيالية أعاد بناء العمارة التقليدية الصينية بدقة متناهية: الأسقف الخشبية المنحوتة، الحدائق الصخرية، التفاصيل المعمارية التي تستحق التأمل. ونحن في تونس، نمتلك تراثاً معمارياً غنياً من القيروان إلى تونس العتيقة، نجد في هذه الأعمال اهتماماً مشتركاً بكيفية استحضار الماضي وجعله حاضراً في حياتنا اليوم.
ثانياً: القيم الإنسانية المشتركة
في مسلسل “قصة مينغ لان”، رأيت بطلة تواجه تحديات الحياة بتواضع وصبر وذكاء، تكافح للحفاظ على كرامة أسرتها. هذه القيم: الوفاء، التضحية، احترام العائلة، الصبر في مواجهة الصعاب، تحتل مكانتها في النسيج الأخلاقي لمجتمعنا التونسي أيضاً وهي مغيبة في الأعمال الدرامية.. فالبطلة التي تنتظر حبيبها لسنوات وتواجه المؤامرات برباطة جأش وتجلد، تخاطب أي متفرج في تونس كما تخاطب أي متفرج في بكين.
ثالثاً: تطور الصناعة وجودتها
لا يمكن إنكار أن الاستثمارات الضخمة التي ضختها الصين في صناعة المحتوى كان لها دور كبير. استوديو هنغديان وورلد، الأكبر في العالم بمساحة تعادل ثلاثمائة وثلاثين هكتاراً، أعيدت فيه بناء نسخ طبق الأصل من المدن القديمة. أعمال مثل “القلعة في السماء” صورت بتقنيات تصوير جوية متطورة، واستعانت بمؤرخين لضمان دقة التفاصيل. والترجمة إلى العربية والفرنسية في منصات مثل وي تي في وآي تشي باتت احترافية، مما أسهم في تقريب هذه الأعمال من قلوبنا وعقولنا.
جيل Z .. جيل الانفتاح بلا حدود
عندما تعمقت في دراسة هذه الظاهرة، لفت انتباهي أمر: جيل Z، أولئك الذين ولدوا بين منتصف التسعينيات وأوائل الألفية الثالثة، هم الشريحة الأوسع بين جمهور هذه الأعمال. هذا الجيل الذي تربى على المنصات الرقمية واعتاد التنقل بين التطبيقات المختلفة، يملك أدواته الخاصة لاكتشاف المحتوى العالمي دون حاجة إلى وسائط تقليدية.
جيل Z في تونس، كما في بقية العالم العربي، يتميز بفضول ثقافي مرتفع ورغبة في استكشاف ما يتجاوز الإنتاج المحلي أو الإقليمي المعتاد. منصات مثل وي تي في وآي تشي ونتفليكس أصبحت جزءاً من مشاهدهم اليومية. يكتشفون الأعمال الصينية من خلال توصيات الخوارزميات، أو من خلال مجموعات النقاش على تيك توك وإنستغرام.
في هذه المجموعات الرقمية، رأيت ظاهرة لافتة: مشاهدين تونسيين يشاركون مقاطع من مسلسلات مثل “الحب بين إلهة وخيال” أو “السر الأعظم”، ويعبرون عن إعجابهم بتفاصيل دقيقة مثل رموز الألوان في الأزياء أو الإشارات الفلسفية في الحوارات. بعضهم بدأ يتعلم مفردات اللغة الصينية الأساسية، بل ويتابع دروساً عن تاريخ الأسر الحاكمة لفهم السياق الكامل للأعمال التي يشاهدها.
هذا الانفتاح، كما أراه، ليس انفتاحاً عفوياً أو سطحياً. إنه انفتاح انتقائي يجمع بين حب الاستكشاف والتمسك بالهوية. المشاهد التونسي الشاب يتابع الدراما الصينية بدقة تفاصيلها، لكنه في الوقت نفسه يقارنها بتجاربه المحلية ويسأل: كيف يعرضون تراثهم؟ كيف يوازنون بين الأصالة والمعاصرة؟ هذه الأسئلة تعكس وعياً متزايداً بأهمية الثقافة كمجال للقوة الناعمة، وتظهر أن جيل Z لم يعد متلقياً سلبياً، بل أصبح مشاركاً فاعلاً في تشكيل المشهد الثقافي الذي يستهلكه.
من الأدب إلى الروح: نافذة على عقلية أخرى
إلى جانب الدراما، للروايات الصينية المترجمة جمهورها الخاص في تونس. رواية “حلم الغرفة الحمراء” التي كُتبت في القرن الثامن عشر، تقدم صورة بانورامية للمجتمع الصيني التقليدي من خلال قصة عائلة واحدة. قراء تونسيون وجدوا في هذه الرواية، التي تصنف إلى جانب أعمال شكسبير وديستويفسكي، تشابهاً في تعقيد العلاقات الأسرية مع ما نعرفه من تراثنا العربي.
أما في الرواية المعاصرة، فالروائي يو هوا صاحب “عيش” و”كرت الباكر” يقدم صورة عن الصين الحديثة، عن التحولات الكبرى التي مر بها المجتمع الصيني خلال عقود. هذه الأعمال تمنح القارئ التونسي فرصة لفهم العقلية الصينية من الداخل: كيف يرى الصينيون التاريخ؟ كيف يتعاملون مع مفهوم الزمن؟ ما علاقتهم بالتكنولوجيا والطبيعة؟
بين الماضي والحاضر: حين تعكس الدراما واقعنا
الدراما الصينية لا تقتصر على التاريخ والخيال. مسلسل “كل شيء على ما يرام” تناول قضايا معاصرة كالصراع بين الأجيال وتوزيع المسؤوليات الأسرية في ظل تغير أنماط الحياة. العمل أثار جدلاً واسعاً في الصين حول مفهوم البر بالوالدين في زمن الضغوط الاقتصادية. قضايا مثل هذه، رغم خصوصيتها، تحمل أبعاداً إنسانية يمكن للجمهور التونسي التعاطف معها، خاصة في زمن تتغير فيه طبيعة العلاقات الأسرية في مجتمعاتنا أيضاً.
ما أراه اليوم من انتشار للدراما والروايات الصينية في تونس، هو مؤشر على تحول عميق في المشهد الثقافي العالمي. الثقافة اليوم لم تعد تتدفق في اتجاه واحد من الغرب إلى الشرق كما اعتدنا عقوداً طويلة. نحن أمام حركة متعددة الاتجاهات، شرقاً وغرباً، جنوباً وشمالاً.
الأسر الحاكمة لفهم السياق الكامل للأعمال التي يشاهدها.
هذا الانفتاح، كما أراه، ليس انفتاحاً عفوياً أو سطحياً. إنه انفتاح انتقائي يجمع بين حب الاستكشاف والتمسك بالهوية. المشاهد التونسي الشاب يتابع الدراما الصينية بدقة تفاصيلها، لكنه في الوقت نفسه يقارنها بتجاربه المحلية ويسأل: كيف يعرضون تراثهم؟ كيف يوازنون بين الأصالة والمعاصرة؟ هذه الأسئلة تعكس وعياً متزايداً بأهمية الثقافة كمجال للقوة الناعمة، وتظهر أن جيل Z لم يعد متلقياً سلبياً، بل أصبح مشاركاً فاعلاً في تشكيل المشهد الثقافي الذي يستهلكه.
من الأدب إلى الروح: نافذة على عقلية أخرى
إلى جانب الدراما، للروايات الصينية المترجمة جمهورها الخاص في تونس. رواية “حلم الغرفة الحمراء” التي كُتبت في القرن الثامن عشر، تقدم صورة بانورامية للمجتمع الصيني التقليدي من خلال قصة عائلة واحدة. قراء تونسيون وجدوا في هذه الرواية، التي تصنف إلى جانب أعمال شكسبير وديستويفسكي، تشابهاً في تعقيد العلاقات الأسرية مع ما نعرفه من تراثنا العربي.
أما في الرواية المعاصرة، فالروائي يو هوا صاحب “عيش” و”كرت الباكر” يقدم صورة عن الصين الحديثة، عن التحولات الكبرى التي مر بها المجتمع الصيني خلال عقود. هذه الأعمال تمنح القارئ التونسي فرصة لفهم العقلية الصينية من الداخل: كيف يرى الصينيون التاريخ؟ كيف يتعاملون مع مفهوم الزمن؟ ما علاقتهم بالتكنولوجيا والطبيعة؟
بين الماضي والحاضر: حين تعكس الدراما واقعنا
الدراما الصينية لا تقتصر على التاريخ والخيال. مسلسل “كل شيء على ما يرام” تناول قضايا معاصرة كالصراع بين الأجيال وتوزيع المسؤوليات الأسرية في ظل تغير أنماط الحياة. العمل أثار جدلاً واسعاً في الصين حول مفهوم البر بالوالدين في زمن الضغوط الاقتصادية. قضايا مثل هذه، رغم خصوصيتها، تحمل أبعاداً إنسانية يمكن للجمهور التونسي التعاطف معها، خاصة في زمن تتغير فيه طبيعة العلاقات الأسرية في مجتمعاتنا أيضاً.
ما أراه اليوم من انتشار للدراما والروايات الصينية في تونس، هو مؤشر على تحول عميق في المشهد الثقافي العالمي. الثقافة اليوم لم تعد تتدفق في اتجاه واحد من الغرب إلى الشرق كما اعتدنا عقوداً طويلة. نحن أمام حركة متعددة الاتجاهات، شرقاً وغرباً، جنوباً وشمالاً.
