بقلم: سيماء المزوغي
يحمل التونسيون عرض “الزيارة” – لمبدعها “سامي اللجمي”- في أجسادهم كما يُحمل سرّ قديم، حيث عبَرت كل ولايات الجمهورية وامتدت عبر ضفاف البحر الأبيض المتوسط، ولمست أعماق الذاكرة والجسد والروح.
هنالك من شهد عرض الزيارة مئات المرات دون مبالغة، على امتداد سنوات عرضها، يتبعها أينما ذهبت، وأنا كاتبة هذه الأسطر شهدت الزيارة أكثر من أربع وعشرين مرّة في مختلف ولايات الجمهورية، وعند كل عرض يتغيّر شيء ما في بعض تفاصيل العرض، ففي كل مرة يفتح بابًا جديدًا، وتتبدّل ها وتتغير النبضات، وتولد تجربة جديدة من رحم التجربة نفسها، فالزيارة كيان واحد في جوهره، لكنها تتشكل في كل لقاء بصورة أخرى، كالماء الذي يأخذ شكل الإناء ويظل محتفظًا بطبيعته..
يستقبل الإيقاع أجسادنا منذ اللحظة الأولى، ينساب ويستقر في العمق، يكتبنا بلغة الجسد والروح معًا، ويُفتح فضاءً داخليًا بعيدًا، قديمًا، بلا زمن، أين تتحرك الأصوات، وتستجيب لها طبقات مخفية من الذاكرة الجسدية والروحية.
هنا، لسائل أن يتساءل، الزيارة، أو هذه الظاهرة، كيف استطاع سامي اللجمي أن يترجم الصمت والموروث الصوفي إلى لغة حية على الركح؟ أين مزج فيها المدائح والأذكار والموشحات مع دفوف وإيقاعات تونسية تقليدية، وابتكر من الحركة الجماعية والرقص الصوفي والأزياء والعناصر الحسية فضاءً متعدد الحواس، تجاوز حدود الموسيقى إلى تجربة كاملة للوعي والجسد والروح؟ وكيف تحرك العرض بانسجام تلقائي بين التراث ولمسات موسيقية حديثة كالجاز والفلامنكو، متدرجًا من التأمل الهادئ إلى نشوة جماعية قريبة من حالة الترانس الصوفي، ليصنع تجربة فردية وجماعية متوازية؟ وكيف يستحضر كل عرض من عروض الزيارة الذاكرة الثقافية والجماعية، ويعيد تقديم التصوف كفن حيّ معاصر، ليفتح أمامنا مسارات داخلية، يتيح لنا لقاءً مباشرًا مع أعماقنا، قبل العقل والكلام، قبل التعريف واللغة، لتصبح التجربة رحلة حية داخل ما قبل الذات؟
الجسد: أصل وذاكرة
ينبثقُ الجسد في عرض الزيارة كأصلٍ أول، وكطبقة تسبق كلّ تعريف، لتختزن ما تعجز اللغة عن حمله. كم يتحرّك في صمتٍ كثيف لكنّه يقول كلّ شيء. فكلّ اهتزاز يحمل معنى، وكلّ التفاتة تستدعي أثرًا، وكلّ تمايل جماعي يكتب جملةً كاملة بلغة غير منطوقة، لغة تنفذ مباشرة إلى العمق حيث تسكن التجارب الأولى، قبل أن تُصاغ في مفاهيم أو تُقيَّد في قوالب.. هناك، تتحرّك الأرشيفات الصامتة، فتستعيد حضورها عبر الإيقاع والحركة. أين يتحوّل الجسد إلى مرآة عميقة، تعكس ما تراكم عبر الأجيال، وتعيد تشكيله في لحظة حية. فيتداخل الفردي مع الجماعي، ويصبح الجسد نقطة التقاء بين الذات وتاريخها، بين الحاضر وذاكرة ممتدة، وبين ما يُعاش الآن وما ظلّ محفوظًا في العمق.
الإيقاع: هندسة الوعي
يتقدّم الإيقاع كمعماري خفيّ يعيد بناء الوعي طبقةً بعد طبقة. يتكرّر، يتكثّف، يتمدد، يتباطئ، يتسارع، يسكن، ويتفجر.. فيخلق مسارًا داخليًا يتجاوز الزمن الخطي، ويعيد ترتيب الإحساس بالمدة. أين تتحرّك التجربة في فضاء دائري، حيث اللحظة تتوسّع، وتتشابك مع ما سبقها وما سيأتي بعدها، فتتشكل حالة ممتدة، ومتواصلة، لتنفصل عن الإيقاع العادي للحياة اليومية.
هنا يعمل التكرار كأداة دقيقة، يذيب الصلابة، ويليّن الحدود، ويفتح المجال لانتقال تدريجي من الإدراك العقلي إلى الإحساس المباشر.لتتحرّك الأجساد والروح في تزامن عميق، ويتشكّل من خلاله نسيج حيّ يحمل الجميع في اتجاه واحد دون حاجة إلى توجيه. فيخلق الإيقاع بذلك فضاءً جديدًا للوجود، فضاءً تتحرّر فيه التجربة من ثقل التحليل، وتكتسب كثافة حسية وروحية، تجعل الإنسان يعيش اللحظة بكامل حضوره، وكأنّه يُعاد تشكيله من الداخل.
الجماعة: الانتماء والذوبان

تتشكلُ الجماعة داخل عرض الزيارة كجسدٍ واحد، كنبضٍ يتوزّع على أجساد متعددة ثم يعود ليلتئم في إيقاع واحد.. أين تتناغم الحركات، وتتجاوب الأصوات، وتتداخل الأنفاس في مسار خفيّ يصنع انسجامًا يتجاوز الاتفاق الواعي. فكل فرد يدخل بهذا الجسد الجماعي من زاويته الخاصة، ثم يذوب تدريجيًا في طاقته، كقطرة ماء تعثر على محيطها.
يتحوّل الحضور إلى حالة مشتركة، تتقاطع فيها المشاعر، وتتوحّد الإحساسات، وهنا، تنبثق تلك اللحظة التي صاغها إميل دوركايم بوصفها انفعالًا جمعيًا، حيث ترتفع الطاقة إلى مستوى يجعل كل فرد يشعر بأنه امتداد للآخرين، جزء من كيان يتنفّس بإيقاع واحد، ويتحرّك ككائن واحد. ينفتح في هذه اللحظة تحديدا، شعور بالانتماء العميق، انتماء يتجاوز التعريفات الاجتماعية، ويستقر في طبقة حسية، شبه بدائية، حيث يصبح الإنسان حاضرًا داخل الجماعة كما لو أنه يعود إلى حالته الأولى، إلى تلك اللحظة التي يسبق فيها الشعورُ الفكرةَ، ويقود فيها الإحساسُ المعنى.
بين الطقس والفن: الحضور والاحتواء
تنبني “الزيارة” في منطقة دقيقة، تتقاطع فيها الطقوسية مع الفرجة، ويولد فيها شكل ثالث يحمل خصائص الاثنين دون أن يذوب في أحدهما. الطقس يمدّ التجربة بجذورها، يمنحها عمقها الرمزي وامتدادها التاريخي، والعرض يعيد تشكيلها في قالب حسّي يجعلها قابلة للمعايشة في الحاضر
يتحرّك الإنسان المعاصر داخل هذا الفضاء وهو يحمل ذاكرة بعيدة ورغبة قريبة في آن واحد.. إذ يقبل التجربة عبر جماليتها، ثم يجد نفسه منجذبًا إلى عمقها، كأن الشكل الجمالي يفتح بابًا نحو محتوى روحي أكثر اتساعًا. وهنا تتشابك هنا مستويات متعددة: الحسّي، الرمزي، الجمالي، والوجداني، في نسيج واحد يسمح لكل طبقة بأن تعبّر عن نفسها دون أن تلغي الأخرى.
الذاكرة: استدعاء الإرث
تستدعي “الزيارة” ذاكرة متعددة الطبقات، ذاكرة تتوزع بين الجسد والثقافة، بين الفرد والجماعة. فتتحرّك صور الزوايا، أصداء الحضرات، رائحة البخور، ودفء الليالي الجماعية، كأنها تستيقظ من سباتها وتعود لتعيش من جديد داخل الفضاء الركحي.
تنفتح هذه الذاكرة عبر الإيقاع والحركة، وتعيد إنتاج نفسها بطريقة متجددة، حيث يحمل كل عرض تركيبته الخاصة، ويعيد تشكيل العناصر ذاتها في صيغة مختلفة. فتتقدّم الذكريات ككائنات حيّة، تتحرّك، تتبدّل، وتندمج في الحاضر دون أن تفقد جذورها.
يتجلّى التاريخ الروحي للجماعة من خلال هذه الحركة المستمرة، فيتحوّل العرض إلى مساحة التقاء بين الماضي والحاضر، بين ما ترسّخ في العمق وما يُعاش في اللحظة. يمنح هذا التداخل “الزيارة” صدقها، ويكسبها تلك الكثافة التي تجعلها تتجاوز حدود العرض، لتغدو تجربة ممتدة، تعبر الجسد وتستقر في الذاكرة.
سامي اللجمي: المعجزة الصامتة
قال بعضهم إنّ عرض النوبة للراحل الفاضل الجزيري بلغ ذروته، وأنّه لن يأتي بعدها عرض أفضل، إلا أنّ “الزيارة” استطاعت أن تخلق حالة شعورية أقوى، متجاوزة الزمان والمكان، لتمنح الجمهور تجربة تتغلغل في الجسد والروح معًا، فتترك أثرًا ممتدًّا في الوعي الجمعي للتونسيين.
ربما تفوّق سامي اللجمي بعرضه على أي تجربة مشابهة، محوّلًا الطقس الصوفي إلى حالة شعورية حية تحتضن الجسد والروح. كما أنه صاغ توازنًا دقيقًا بين التراث والتجديد، بين الإيقاع الجماعي والانفراد بالوعي، كما أنّ اللجمي جمع الطقوس الصوفية من تونس كلها، ثم أعاد تشكيلها على الركح بطريقة معاصرة تمنحها حضورًا حيًا، كأن الماضي يتنفس في اللحظة نفسها. وقاد الجمهور إلى تجربة تتجاوز المشاهدة لتصبح مشاركة كاملة، حيث الجسد يتحرك، والروح تنصت، والوعي يغوص في عمق الطقس الروحي. كما منح التراث روحًا جديدة، وابتكر طقوسًا فنية تعيد وصل الإنسان بذاكرته وجسده، فتجسدت المعاني قبل أن تُقال.
سامي اللجمي أو تلك المعجزة صامتة، يصوغ الصوت والحركة والروح في نسيج واحد، لغة قبل الكلمات، وشعور قبل الفهم، وحضور يلمس الجسد قبل الوعي. عرض “الزيارة” لا يُحكى كأداء يُقدم بدافع منافسة أو إبراز ..
ربما تعمل “الزيارة” كمرور داخلي، كعبور يترك أثره دون ضجيج، ويعيد ترتيب العلاقة بين الإنسان ونفسه. تكشف قدرة الإنسان على الشعور بكثافة، على الذوبان داخل لحظة مشتركة، وعلى الحضور الكامل داخل زمن قصير يحمل امتدادًا طويلًا.
تعود الذات إلى جوهرها، إلى تلك النقطة التي تسبق العقل والكلام، حيث يتكوّن الإحساس في شكله الأول، صافياً، عميقًا، وقادرًا على أن يعيد للإنسان علاقته بذاته، بالعالم، وبما يتجاوزهما معًا.
