ريم حمزة
في أجواء احتفالية مميزة بمناسبة عيد الموسيقى العالمي، احتضن مسرح أوبرا تونس، تحت إشراف وزارة الشؤون الثقافية، مساء السبت 13 جوان، حفلا فنيا استثنائيا أحيته الفنانة السورية رشا رزق، بمرافقة الأوركسترا السيمفوني التونسي بقيادة المايسترو شادي القرفي. ليلة بدت منذ لحظاتها الأولى وعداً بتجربة موسيقية تتجاوز حدود الحفل التقليدي، لتتحول إلى مساحة لقاء بين أجيال وذكريات وثقافات موسيقية متعددة.
منذ بداية الحفل، امتلأت قاعة الأوبرا بجمهور متنوع الفئات العمرية، آباء وأمهات وأبناء، اجتمعوا على موعد واحد مع الموسيقى، وكأن القاعة نفسها كانت تستعيد ذاكرتها المشتركة عبر حضور هذا التنوع الإنساني الذي أعطى للحفل بعدا اجتماعيا موازيا لبعده الفني.

الفنانة رشا رزق، التي شكّل صوتها الدافئ والمميّز وجدان أجيال كاملة وثقافتها السمعية، افتتحت حفلها بلوحة أوبرالية جمعتها بالمايسترو شادي القرفي. أداء لافت كشف للجمهور جانبا أوبراليا من شخصيتها الفنية، خاصة وأنها تُعد في الأساس أستاذة غناء أوبرالي، وهو ما أثار تفاعلاً كبيرا وتصفيقا حارا منذ اللحظات الأولى.
بعد هذه الانطلاقة الكلاسيكية، أخذت الأمسية منحى احتفائياً بالذاكرة الموسيقية العربية، حيث قدمت رشا رزق باقة مختارة بعناية من الأغاني الخالدة، من بينها “زهر الليمون” لسنية مبارك، و”أهو ده اللي صار” لسيد درويش، و”أنا قلبي دليلي” لليلى مراد. اختيارات أعادت الجمهور إلى زمن الذوق الأصيل، حيث امتزجت الأصالة بالتجديد في أداء يحمل بصمة خاصة.
ومع تصاعد إيقاع الحفل، انتقلت رشا رزق إلى عالم مختلف تماما، عالم أغاني شارات الكرتون التي صنعت جزء كبيرا من طفولة جيل الثمانينات والتسعينات. فصدحت بأعمال مثل “ريمي” و”القناص” و”ساسوكي” و”أبطال الديجيتال”، لتتحول القاعة إلى مساحة حنين جماعي، استعاد فيها الحاضرون ذكريات الطفولة البعيدة، وكأن الزمن عاد بهم سنوات إلى الوراء في لحظة موسيقية صادقة ومؤثرة.
وفي ندوة صحفية تلت الحفل، أوضحت رشا رزق أنها لم تتمكن من تقديم كامل “ريبرتوارها” بسبب محدودية زمن العرض، مشيرة إلى أن رصيدها الفني واسع ومتعدد، وأن ما قُدم في تونس كان اختيارا مشتركا مع المايسترو شادي القرفي، مع وعد بإمكانية تقديم برامج أخرى في حفلات قادمة.

وتطرقت الفنانة السورية إلى التحولات التي يشهدها المشهد الموسيقي والإعلامي، معتبرة أن جيل التلفزيون التقليدي قد انتهى، ليحل مكانه جيل “السوشيال ميديا” ومنصات مثل “تيك توك”، مؤكدة أن هذا التغير يفرض على الفنانين ضرورة المواكبة والانفتاح على الأدوات الجديدة لنقل الموسيقى الهادفة إلى الجمهور المعاصر، دون خوف أو تردد، بل بروح تطويرية مستمرة.
كما أشادت رشا رزق بتجربتها مع الأوركسترا السيمفوني التونسي، معتبرة أن قيادة المايسترو شادي القرفي اتسمت بالاحترافية العالية، وأن العمل كان قائما على الحب والشغف المشترك بين جميع العازفين، وهو ما انعكس على جودة الأداء والتناغم الموسيقي داخل الحفل.
واختتمت حديثها بالتعبير عن امتنانها لجمهور مسرح أوبرا تونس، الذي وصفته بالممتاز، مؤكدة أن تفاعل الجمهور كان أفضل هدية يمكن أن يحصل عليها أي فنان، لما يحمله من طاقة حب وصدق تعطي للعرض روحه الحقيقية.
ليلة أوبرا تونس مع رشا رزق لم تكن مجرد حفل موسيقي، بل كانت رحلة وجدانية بين الأوبرا والذاكرة والطفولة، أعادت التأكيد على أن الموسيقى، حين تُقدَّم بشغف، قادرة على جمع الأجيال في لحظة إنسانية واحدة تتجاوز الزمن.

صور: رفيق بودربالة
