نعى الفنان اللبناني مارسيل خليفة المايسترو والمؤلف الموسيقي التونسي محمد القرفي، مستعيداً في كلمات مؤثرة مسيرة صداقة ولقاءات جمعتهما، وذاكرةً موسيقية وإنسانية ظلّت حاضرة في وجدانه منذ زيارته الأولى إلى تونس.
كتب مارسيل خليفة في رثاء صديقه الراحل:
“رحل محمد القرفي، المايسترو والمؤلف الموسيقي التونسي.
رنّ اسمه في أذني، أول مرة، في باكر زيارتي لتونس. علق من حينها اسمه في رأسي، وقد حرّض الصغير فيّ على تفتيق آنِهِ على غدٍ أبكر.
التقيت به قائداً لفرقة مدينة تونس للموسيقى، في مجموعة من العروض التي تبنّت القضايا العادلة. عدت من تلك اللقاءات أجهر بما كنت أخفي من رغائب في اجتراح إمكاني من مستحيلاتي، ففتحت شهيتي على تجريب البحث في ما أستطيع وما لا أستطيع من بُغياتي الكثيرة.
وكنت كلما مسّني وهن في العزيمة، أستعيد تحريض القرفي وأمضي، ثابت الجنان، إلى هدفي، لا ألتفت وراء ولا أهرول، وفي المسير أنجع مقصدي ولا أجول.
كان محمد القرفي آنذاك منجحراً في مكتبه، يقرأ الشعر، يستهويه المقام في حنين وشغف، ينقر الإيقاع في القلب، يكتب موسيقى تجوب الخاطر وتحط أحمالها على ضفاف الشغاف. أيقن أن المضي في المحاولة يدرّب المدارك، مع الزمن، على حسن القطاف. يرحل على صهوة الموسيقى إلى بعيد المكان.
لذلك اللقاء الأول بصمة لا يعلو غبار الزمان منمنمات لوحتها، ولا يمحو توالي آثاره وشمتها على أديم الزمان. هي لحظة تمضي وتسلّم أسرارها لما يليها، مثل حجر يُلقى في بركة ماء، فانزاح له الدوائر.
وتوالت اللقاءات كلما زرت تونس، وكان مزاج القرفي المكدّر يحرس الحق من عاصفة الشك والبهتان، ووهب له عزيز أيامه والماضي كقربان.
اذكر، يا صديقي، في عينيك نظرتان تستعرضان مزاجك. عيناك لا تكذبان حين تتكلمان. تقولان، بلسان الفصاحة واللمعان، ما تضمران. جربت أن أعثر على الباطني فيك، للإمساك بسرّك، وكلما عاودت المحاولة، كانت جرعة الواقعية في المقلتين توضّح القطبة المخفية.
مسيرة القرفي امتدت لعقود، أسهم خلالها في إثراء الموسيقى التونسية والعربية في أعمال موسيقية وغنائية، وفي مؤلفات من بينها: الأشكال الآلاتية في الموسيقى الكلاسيكية بتونس، وصفحات من الموسيقى العالمية والمسرح الغنائي العربي، إلى جانب ترجمة حول الموسيقى العربية لأنطونان لافاج.
في مشاركتي الأخيرة بمهرجان الحمامات لم نلتقِ، مثل حب بهي، لا وداع يُعجزه عن العودة إلى أوله كلما هزمت الذاكرة النسيان، وانتصر الاشتياق على الفراق.
وحده مضى يبحث عن معنى لا يبين إلا لمن يؤوبون من البعيد متعبين. تستحم ذكراه من أول انبثاقها من وقبتها، حتى آخر صفحة منقوشة في سيرتها، تقرأ طالع غد مصلوب على خشبة الانتظار.
يا محمد، وأنت تمضي، وماذا تودّع، حين تودّع، تونس، مدينتك، ورصيداً من أحلام نشرتها أعمالك؟
من سيأتي ليحرث في الساحة فكرة، ويحصد ما أينع من ثمار ما رويت بعرق الجبين؟
رحلت، وبقيت أعمالك وما ملكت يمينك من الكلام الحر.
لعل الرحيل شيء جديد يولد.
لعلّه ما لا يوصف من أمر سماوي يصطفيك.
لعلّه لغز يقاسمه سؤال اليقين الضائع في شوارع المدينة.
سافرت، وأودعت الذي خلفته للصمت والحنين، ولذكرى أشهد عليها قلباً تقرّح، وأسلمت العينين لجيل سيسمع ويقرأ ما تركته.
يا محمد، قد تزوجت البلاد.
كم أحببت هذه الأغنية، وكم نحبّك…”.
بهذه الكلمات، ودّع مارسيل خليفة صديقه محمد القرفي، مستعيداً إنساناً وفناناً ترك بصمته في الموسيقى التونسية والعربية، ومؤكداً أن بعض الغياب لا يكون غياباً كاملاً، لأن ما يتركه المبدعون من موسيقى وكلمات وذاكرة يظل قادراً على العبور إلى أجيال تأتي من بعدهم.
رحل محمد القرفي، لكن صوته الموسيقي وأثره في من عرفوه ما زالا حاضرين؛ وكأن البلاد التي أحبها وكتب لها وعاش موسيقاها ستظل، كما قال مارسيل خليفة، شاهدة على حكايته.
