لم تكن سهرة نبيهة كراولي على ركح المسرح الأثري بقرطاج مجرد موعد غنائي ضمن الدورة الستين لمهرجان قرطاج الدولي، بل بدت أقرب إلى رحلة في الذاكرة التونسية، امتزجت فيها الأغنية بصورة المرأة، وتداخل فيها الحنين إلى الماضي مع نبض الحاضر.
وفي مناسبة تزامنت مع الاحتفال بعيد المرأة التونسية، اختارت كراولي أن تجعل من المرأة محوراً رمزياً لسهرتها. وقبل أن تبدأ الموسيقى، عرضت شاشة المسرح أسماء نساء تونسيات بصمن حضورهن في مجالات مختلفة، بعضهن رحلن عن الدنيا وأخريات ما زلن يواصلن مسيرتهن، في مشهد حمل رسالة تقدير لدور المرأة في الحياة الثقافية والاجتماعية والوطنية.
وكانت السهرة بحضور وزيرة الشؤون الثقافية أمينة الصرارفي، ووزيرة الأسرة والمرأة والطفولة وكبار السن أسماء الجابري، ورئيس مجلس نواب الشعب إبراهيم بودربالة، إلى جانب عدد من المسؤولين والضيوف.

ومنذ اللحظات الأولى، توجهت نبيهة كراولي بتحية إلى المرأة التونسية، قبل أن تفتح مساحة الغناء أمام الجمهور. واختارت أن تكون الموسيقى امتداداً لفكرة الاحتفال، مستندة إلى رصيدها المعروف في الاشتغال على الأغنية التونسية وإعادة تقديم عناصر من التراث في قوالب تستجيب لذائقة اليوم.
بقيادة المايسترو خالد بن عيسى، تنقلت كراولي بين عدد من أعمالها، مستحضرة ألواناً مختلفة من الموسيقى التونسية، ومستفيدة من تنوع المقامات واللهجات والتقاليد الغنائية التي تشكل جزءاً من الذاكرة الفنية للبلاد.
وكانت أغنية «بلادي» من أبرز محطات العرض، خاصة مع مشاركة كورال سيدي سامي في أدائها، حيث وجد الجمهور نفسه يردد الكلمات معها في لحظة تحولت فيها الأغنية إلى تعبير جماعي عن الارتباط بتونس.
أما الجانب الأكثر حميمية في السهرة فظهر مع تقديم «مازالت يا ليام» لأول مرة أمام الجمهور في أداء حي، قبل أن تؤدي «يما»، الأغنية التي كتبتها قبل وفاة والدتها. هنا تغير إيقاع الحفل، وحضرت المشاعر الشخصية بقوة، ليصبح الغناء مساحة لاستحضار الأم والحنين والوفاء.
وتكشف هذه الاختيارات جانباً من المشروع الفني لنبيهة كراولي، التي لا تتعامل مع التراث باعتباره مادة من الماضي فقط، بل تحاول إعادة قراءته وتقديمه للأجيال الجديدة. فالمقام واللحن واللهجة والذاكرة الشعبية تتحول في تجربتها إلى عناصر قابلة لإعادة الاكتشاف من خلال رؤية موسيقية حديثة.

ومن هذه الزاوية، اكتسبت سهرة قرطاج خصوصيتها؛ إذ لم يكن الاحتفال بعيد المرأة منفصلاً عن مضمون العرض، بل التقت المناسبة مع تجربة فنانة جعلت من الحكاية والذاكرة والهوية التونسية جزء من مشروعها.
وبين أغنية تستعيد الوطن وأخرى تستحضر الأم، بدا ركح قرطاج وكأنه يروي حكايات متعددة للمرأة التونسية: امرأة تحفظ الذاكرة، وتحمل المشاعر، وتشارك في صناعة الثقافة، ولا تكتفي بأن تكون شاهدة على الماضي، بل تساهم أيضاً في تشكيل الحاضر وملامح الغد.
